
أعادت حادثة الاعتداء على رجل يرتدي ملابس نسائية بمدينة طنجة (شمال المغرب)، نقاش الحريات الفردية بالبلاد، مع ارتفاع أصوات الفعاليات المطالبة بحماية الحريات الجنسية ومواجهة الاعتداءات المتكررة على أعضاء مجتمع الميم عين + في الفضاءات العامة.
ويظهر مقطع فيديو، تم تداوله على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب، مجموعة من الأشخاص، يهاجمون رجلا يرتدي زيا نسائيا قبل أن يسقطوه أرضا وينهالوا عليه ضربا.
وفي مقطع آخر، يظهر الرجل يتبادل الضرب مع مهاجميه، وتسمع في الفيديو المتداول عبارات تحقيرية للمثلية الجنسية.
وتفاعل الأمن المغربي مع شريط الفيديو، وأعلنت مواقع إخبارية إيقاف أربعة أشخاص يشتبه تورطهم في حادثة الاعتداء بكورنيش المدينة، وذلك “للاشتباه في تورطهم في قضية تتعلق بتبادل الضرب والجرح بالشارع العام”.
وقررت النيابة العامة، متابعة شخصين على خلفية الحادثة، بعد تقديم المعني في حالة سراح وخمسة أشخاص آخرين في حالة اعتقال بينهم أربعة قاصرين، أمس الثلاثاء، بحسب موقع “العمق“.
وحسب المصدر ذاته، قررت المحكمة الإفراج عن القاصرين، والقبض على الشخص البالغ بتهمة تبادل الضرب والجرح، في حين تقرر الإفراج عن الرجل المعتدى عليه، مع توجيه تهمتي تبادل الضرب والجرح في حق قاصر والإخلال العلني بالحياء.
عقوبات واعتداءات
وتبقى المثلية الجنسية مجرمة في القوانين المغربية، وينص الفصل 489 من القانون الجنائي على الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات كل “من ارتكب فعلا من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه”.
وتطالب المنظمات الحقوقية منذ سنوات بإلغاء هذا القانون، وكافة القوانين الأخرى التي تحد من الحريات الفردية، معتبرة أنها تساعد في استمرار “كراهية ورهاب المثلية” والاعتداءات التي تستهدف أفراد مجتمع الميم بالمغرب.
والسنة الماضية، تعرض شاب مغربي “مثلي” بالقنيطرة لاعتداء مماثل، بعد قدومه من إسبانيا لقضاء العطلة الصيفية ببلاده، وأصيب بجروح وصفت بالخطيرة في مناطق مختلفة من جسمه، حسبما نقلته مصادر صحفية متطابقة.
وفي حادثة أخرى، انتشر نهاية سنة 2019 مقطع فيديو، يظهر توقيف رجال شرطة لشخص يرتدي زيا نسائيا في الشارع العام عقب حادث مرور، وتتعقبه مجموعة من المارة يكيلون له الشتائم ويصورونه بهواتفهم النقالة.

ويثير تكرار حوادث الاعتداء على أفراد مجتمع الميم عين +، نقاشا دينيا ومجتمعيا وقانونيا واسعا، بين الرافضين للفصول القانونية المجرمة للعلاقات الجنسية المثلية، والداعين للتمسك بها كونها “تخالف قيم المجتمع”
رئيسة فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بطنجة، خديجة أبناو، تعتبر أن الحادثة اعتداء على الحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي، محملة السلطات المغربية، “مسؤولية استمرار انتهاك الحريات الفردية والاعتداءات ضد مجتمع الميم”، بسبب تمسكها بـ”قوانين متجاوزة”.
وتابعت الفاعلة الحقوقية في تصريح لموقع الحرة، أن الضحية تعرض لانتهاك مزدوج، أولا انتهاك حريته الفردية في اختيار لباسه وميولاته، وثانيا الاعتداء الجسدي عليه، داعية السلطات إلى إنصافه دون تحميله المسؤولية، أو تبرير مثل هذه الاعتداءات.
المتحدثة ذاتها، توضح أنه في المغرب ما تزال العقليات السائدة والأسس الثقافية المكرسة “تقصي الحريات الفردية والاختيارات الجنسية”، وما يزيد من حجم المشكل حسب المتحدثة، “غياب اعتراف وحماية قانونية للاختيارات الجنسية للفرد التي تعد حقا من الحقوق الكونية في عالم اليوم”.
وتكشف أرقام لـ “جمعية أقليات” الفاعلة في مجال الحريات الفردية، أن 70 في المئة من المثليين المغاربة تعرضوا للعنف الجسدي أو المعنوي في الأماكن الخاصة والعامة.
وبحسب الدراسة التي أنجزت سنة 2020، فإن 14 في المئة فقط من المثليين المعنفين قدموا شكوى لدى السلطات، بينما يخشى الباقون من اكتشافهم وطردهم من أسرهم، أو أن يتم احتجازهم من قبل الشرطة.
“منافية لقيم المجتمع”
من جانبه، يندد رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، بما اعتبره “الاعتداء الهمجي والإجرامي الذي طال الضحية”، مضيفا أن المتورطين ينبغي أن يتابعوا أمام القضاء.
غير أنه يلفت بالمقابل، إلى أن “الحريات الفردية” تحتاج إلى “قيم وأخلاق وسلوك متحضر”، من بينها أن “على من يحسبون أنفسهم أقليات أو ذوي ميولات تعتبرها غالبية المواطنين مستفزة ومنافية لقيم المجتمع المغربي، مراعاة القيم المشتركة خلال تواجدهم في الفضاءات العمومية، لتفادي الإساءات التي قد تصل إلى اعتداءات”.
ويشير المتحدث ذاته في تصريح للحرة، إلى أن القوانين مهما كانت صارمة، فإنها “لن تحد من مثل هذه الحوادث في مجتمع محافظ، طالما أن تلك الاختيارات الجنسية تظهر للناس العاديين سلوكيات لا يقبلون بها ويعتبرونها منافية للطبيعة البشرية”.
من جهتها، ترفض الناشطة الحقوقية فتح نقاش اللباس والظهور في الفضاءات العامة، مشيرة إلى أن هذه حقوق إنسانية لا محيد عنها، مؤكدة على ضرورة لفت الانتباه فقط إلى مشكل الاعتداء على هذا الشخص في فضاء عام بسبب اختياراته الشخصية، واعتبرت أن تحميل المسؤولية للضحية، بسبب إظهار ميوله “مرفوض ويبطن كراهية”.
ويرى الخضري أن قيم المجتمعات المحافظة، تتجاوز القوانين، مهما كانت متقدمة أو صارمة، لافتا إلى أن الحقوقيين ينبغي أن يتعاملوا بموضوعية وواقعية، في مقاربة هذه المواضيع.
ويتابع في هذا السياق، نحن مع القانون ومعاقبة المعتدين، لكن “لا نقبل بسلوكيات وممارسات من شأنها أن تستفز الناس في الأماكن العامة، مما سيفتح الباب لمثل حادثة مدينة طنجة”.
وتأمل رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن تضغط باقي المنظمات المدافعة عن الحريات الجنسية، على الحكومة لفتح نقاش حول الموضوع، بالتزامن مع تعديل منظومة القانون الجنائي، مشيرة إلى أن حريات مجتمع الميم “تنتهك وسط مناخ معادي وأمام صمت مطبق”.
المصدر

