حين تتحدث إليها تجدها تبتسم وكأنها لم تذق الألم يوما، وتضحك كأنها لم تجرب البكاء أبدا، وعند الاستماع إلى حكاياتها عن الماضي وآمال المستقبل تشعر بمتعة ما، فتجربتها تكشف عن تاريخ طويل من العمل والكفاح والنجاح، وعن قوة وصلابة في وجه كثير من التحديات والعثرات التي صنعت منها شخصية مميزة تضاف إلى قائمة النساء البحرينيات اللاتي تركن بصمة لا تنسى.
المهندسة صبا كاظم العصفور امرأة طموحة، تتقن فن عيش الحياة بشروطها الخاصة، صاحبة رؤية حكيمة وعظيمة، كانت أول مهندسة عضو في لجنة تنظيم ومزاولة المهن الهندسية، وأول مديرة في وزارة البلديات والزراعة، صارعت من أجل البقاء، وانتصرت على كثير من المحن والأزمات الإنسانية والمرضية وعبرتها بسلام، وذلك لأنها لم تستسلم، واختارت المواجهة بكل المشاعر الإيجابية.
أجمل ما يميز تجربتها أنها صاحبة رسالة سامية في الحياة، فهي تؤمن بدور المرأة الإنساني في مجتمعها إلى جانب دورها الأسري والوظيفي، لذلك كانت من مؤسسي جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية، التي تحمل الكثير من الآمال والطموحات تجاهها، ومازالت تسعى إلى تحقيقها على أرض الواقع.
«أخبار الخليج» حاورتها حول رحلة العطاء والتميز والأمل في السطور التالية:
حدثينا عن نشأتك؟
عشت طفولة سعيدة بمعنى الكلمة، ونشأت على يد أمي الأمية التي أفتخر بها بشدة التي علمتنا أن نسير بالمسطرة، فقد كانت تتمتع بشخصية قوية، وحكيمة، كما كان والدي رجلا مثقفا من مؤسسي نادي العروبة، وتوفي حين كان يشغل منصب مدير إدارة الجمارك والموانئ، وتعلمت منهما الانضباط وعدم التراجع في أي عمل أقدم عليه، والإصرار على إنجازه حتى النهاية.
ماذا كان حلم الطفولة؟
كان حلمي دائما أن أتخرج في الجامعة، وأحقق شغفي في دراسة الرياضيات والهندسة، وهو مجال أستمتع به بشدة، لذلك التحقت بالمسار العلمي بالمرحلة الثانوية، وكان طموحي أن أحصل على بعثة لتحقيق هذا الحلم، لكن في ذلك الوقت توقفت البعثات لسوء حظي، فالتحقت بكلية الخليج المسماة حاليا بجامعة البحرين، وقمت بدراسة الهندسة المدنية، وهو المجال الذي أحبه بشدة، وكان جديدا بالنسبة إلى العنصر النسائي، لذلك واجهت بعض الصعوبات الاجتماعية، أما على صعيد أسرتي فقد وجدت منهم كل التشجيع والدعم، وأذكر أن والدتي كانت تقول لي دائما إنني شخصية قوية تصلح لخوض المجال الطبي، وتثق في بشدة ولله الحمد لم أخذلها أو أخيب ظنها على مر مسيرتي.
وماذا بعد التخرج؟
بعد التخرج في الجامعة بحثت عن فرصة عمل مدة ستة أشهر تقريبا، وكانت فترة صعبة على الصعيد النفسي، لأنني لم أتمكن خلالها من الاعتماد على دخلي الخاص، فقد كنت على قناعة بأنني ما دمت تخرجت وأنهيت دراستي فلابد أن أنفق من جيبي الخاص، وبحثت عن وظيفة في أي مجال، حتى وجدت فرصة في مجالي لدى مقاول محلي، وكان أول مشروع أعمل به هو توسعة شركة ألبا، وكان ذلك في عز الصيف، وأذكر أنني في موقع العمل كنت أحضر فيه من الصبح إلى العصر، وقد أصبت بضربة شمس، وكنت المرأة الوحيدة في ذلك الموقع.
هل واجهتِ تحديات كونك امرأة؟
في موقع العمل لم أواجه أي مشاكل كوني امرأة، حتى حين كنت أصدر تعليمات للعمال الأجانب لم أشعر بأي امتعاض أو رفض، وكنت أتعامل كإنسان وليس كامرأة، وتجاوزت أي تحد بهذا الخصوص على مر مشواري، وأذكر أنني لقبت في البداية بمهندسة البواليع من البعض، ولكنني كنت أضحك ولم يضايقني ذلك مطلقا، ثم انتقلت إلى العمل في موقع آخر وواصلت مشواري، إلى أن التحقت بمشروع إنشاء مبنى بتلكو في الهملة، وكانت فرصة جيدة بالنسبة إلي.
وما المحطة التالية؟
كان التحاقي للعمل بالبلدية نقلة مهمة في مشواري الذي لم يخل من التحديات، وأذكر أنني كنت أسير في الصباح وسط عربات القمامة حيث كان مكتبي في كراج البلدية بإدارة الصيانة، وكانت وظيفتي مهندسة صيانة مباني البلدية، وتزوجت وحملت، وفقدت فرصة الترقي بسبب الأمومة أكثر من مرة وهو أمر أحزنني كثيرا لكن لم يؤثر ذلك في إصراري على المواصلة.
كيف كانت تجربة ترشحك للانتخابات؟
تجربة الترشح للانتخابات كانت من أجمل التجارب التي مررت بها، حيث رشحت نفسي لأول مجلس بلدي في البحرين، وكان لدي يقين بأنني لن أفوز، ولكنني نجحت في التجربة لصالح المرأة بامتياز، رغم أنني لم أصل إلى الكرسي، حيث ترشحت في دائرة ضد 12 رجلا، ورغم أنني كنت دخيلة على تلك المنطقة فإنني لم أكن الأقل حظا في الأصوات، وقد تعلمت الكثير خلال هذه المرحلة.
ماذا تعلمتِ من تلك التجربة؟
تعلمت من تجربة الترشح للانتخابات أن المرأة قادرة على أن تجابه وتدافع عن حقها، وأن يكون لها صوت يعبر عن نصف شريحة المجتمع، وقد استفاد مني النساء أيضا حيث تدربن على كيفية الاختيار بحسب احتياجاتهم، ومن ثم أسهمت في رفع الوعي بقدرات النساء واختياراتهن، ولم يكن الهدف مطلقا الحصول على كرسي البلدية، لذلك لم أتأثر بالنتيجة، لأنني كنت أتوقعها مسبقا، ولكن هذه التجربة وضعتني تحت الضوء، حيث ترقيت عقبها في عملي بالبلدية، وتم ترشيحي لرئاسة قسم الموارد البشرية، ثم تقاعدت مبكرا في 2016 واستمررت في أداء رسالتي بالجمعية.
أي جمعية؟
أنا من مؤسسي جمعية البحرين النسائية للأعمال الإنسانية، وهو شيء أفخر به كثيرا، وبعد التقاعد تفرغت لمواصلة رسالتي من خلالها على صعيدين الأول فيما يتعلق ببرنامج المرأة، والثاني يرتبط بقضية المواطنة البيئية، بهدف تمكين المرأة مع التركيز على كيفية تغيير طريقة التفكير واتخاذ القرار بحرية شخصية وفق قناعات شخصية وليس استجابة لأي مؤثرات خارجية، مع التركيز على حقوق المرأة الثابتة والأساسية والعدالة والإنصاف في الحصول عليها، وليس تقليدا للغرب لأن ما يصلح هناك ليس بالضرورة أن يكون مناسبا لنا، لأننا في النهاية محكومون بعاداتنا وتقاليدنا الخاصة بنا والتي نشأنا عليها.
ما أصعب محنة؟
لا شك أنني قد مررت بكثير من المحن والمواقف الصعبة، كأي إنسان، ولعل أهمها تعرضي لأزمة مرضية شديدة مرتين، ولكنني لا أود الخوض في التفاصيل حاليا، ولكن لله الحمد تجاوزتها بسلام، وعبرتها بكل قوة وإرادة، وقد أدركت من خلالها قدراتي وإمكانياتي وقوتي، وساعدني على ذلك الدعم الكبير الذي حصلت عليه من الأسرة ومن كل من حولي، الأمر الذي جعلني أركز في المقام الأول على الجانب الإيجابي لهذه المحنة المرضية، وليس السلبي، فأنا أرى أن الألم الجسدي شيء طبيعي في حياة أي إنسان، أما الأقسي والأشد فهو الألم النفسي الذي لا نستطيع أن نتجاوزه، كما أن الحياة تعلمنا من خلال تجاربها عدم التمسك بالأشياء الملموسة، لأنها عادة لا تبقى، والدائم هو رسالتنا في الحياة، والقيم التي نسير عليها من أجل تحقيق هذه الرسالة.
وما رسالتك؟
رسالتي في الحياة التي اخترتها وأبذل في تحقيقها كل غالٍ ونفيس هي العمل في أي شيء أو مجال يصب في مصلحة مجتمعي ككل وليس فئة بعينها، وأتمني أن أصل في يوم من الأيام إلى مرتبة النخبة من النساء، وهن جيل أمهاتنا حتى غير المتعلمات منهن أمثال والدتي، فهن اللاتي صنعن التاريخ والأجيال، وأسهمن في نهضة المجتمع بصورة كبيرة، وكان لهن دور رائد وبارز في تغيير وتطوير المجتمع، فوالدتي على سبيل المثال علمتني الانضباط، رغم أميتها، وهو ما فشلت أنا شخصيا في تعليمه لأبنائي.
في رأيك ماذا ينقص المرأة؟
ما ينقص النساء في مجتمعنا هو أن يعين دورهن الإنساني في المجتمع قبل الدور الوظيفي والأسري والإنجابي فقط، وخاصة فيما يتعلق بتنمية القيم الإنسانية، وهذا ما أعكف عليه حاليا من خلال جمعية التنمية الإنسانية، وبناء الإنسان، وكل ما أتمناه حاليا هو أن أرى تلك الجمعية صرحا كبيرا للتنمية الإنسانية، وأن أجد نفسي مع أسرتي في خدمة الإنسانية في كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة، وهو شيء يتطلب تعاون جهات عدة لأنها في النهاية مسؤولية مجتمعية.


