ليس مطلوبا من السياسي أن يحب الصحافة، ولا من الصحافي أن يجامل السياسي. وبين الطرفين مساحة واسعة للنقد والرد والسجال، بل وحتى للخصومة. لكن ما لا ينبغي أن يكون محل نقاش هو أن تتحول هذه الخصومة إلى محاولة لمنح السياسة حق تقرير من هو الصحافي، ومن يستحق البقاء داخل المهنة، ومن ينبغي أن يغادرها.
وهنا تحديدا يتجاوز السجال القائم بين محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وإدريس شحتان، مدير “شوف تيفي” ورئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، حدود خلاف بين شخصين، ليطرح سؤالا أكبر: أين ينتهي حق السياسي في الرد، وأين تبدأ استقلالية الصحافة؟
الجواب يفترض أن يكون بسيطا: من حق محمد أوزين أن يرد على إدريس شحتان، وأن ينتقده، وأن يعترض على ما ينشره، وأن يعتبر بعض ما يكتب أو يقال عنه مجانبا للصواب. وله، متى رأى أن الأمر تجاوز حدود القانون، أن يلجأ إلى القضاء ويقدم ما لديه من حجج وأدلة. لكن لا صفة سياسية، مهما كان وزنها، تمنح صاحبها سلطة تقرير المستقبل المهني لصحافي أو إصدار أحكام بشأن شرعيته داخل المهنة.
فالصحافة ليست امتدادا للأحزاب، والصحافيون ليسوا موظفين لدى أمنائها العامين.
وقد اختار الدستور المغربي أن يضع حرية الصحافة واستقلاليتها ضمن ضمانات واضحة، حين نص الفصل 28 على ضمان حرية الصحافة وعدم تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، وعلى تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية. والاستقلال هنا ليس تفصيلا لغويا، وإنما قاعدة يفترض أن تحكم العلاقة بين الإعلام والسلطة، وبين الصحافة والأحزاب، وبين الصحافي وكل من يوجد في موقع القرار.
من هذا المنطلق، فإن إدريس شحتان لا يحتاج إلى شهادة مهنية من محمد أوزين، تماما كما أن أوزين لا يحتاج إلى شهادة سياسية من شحتان حتى يمارس دوره الحزبي. لكل واحد منهما مجاله ومساره ومسؤوليته، والاختلاف بينهما لا يمنح أحدهما حق إلغاء الآخر.
شحتان موجود في المشهد الإعلامي بمسار وتجربة ومؤسسة ومسؤوليات مهنية. ويمكن الاتفاق معه أو الاختلاف، ويمكن نقد اختياراته التحريرية وممارساته مثل أي فاعل إعلامي آخر، لكن الخصومة السياسية لا تمحو المسارات المهنية، كما أن النقد الصحافي لا يلغي الشرعية السياسية التي تمنحها المؤسسات والقواعد الديمقراطية.
وفي المقابل، فإن حرية الصحافة لا تعني حصانة من المساءلة. الصحافي يمكن أن يخطئ، والمؤسسة الإعلامية يمكن أن تتجاوز، ومن تضرر من مادة صحافية يملك حق الرد والتصحيح والتقاضي وفق ما يتيحه القانون. هذه هي القاعدة التي تحمي الجميع: لا الصحافي فوق القانون، ولا السياسي فوق النقد.
لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تنتقل الخصومة إلى اتهامات من قبيل الابتزاز أو الفساد أو الحديث عن أموال وملايير. هنا لا نعود أمام مجرد رأي سياسي عابر. إنها اتهامات ثقيلة، ومن يملك بشأنها أدلة فمكانها الطبيعي أمام المؤسسات المختصة. أما تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى محاكم، والخصوم إلى قضاة، والمنشورات إلى أحكام نهائية، فلا يخدم الحقيقة ولا دولة القانون.
فالعدالة وحدها هي التي تقول كلمتها عندما يتعلق الأمر بأفعال يجرمها القانون.
وهذه القاعدة ينبغي أن تسري في الاتجاهين. إذا اعتبر محمد أوزين أن إدريس شحتان أساء إليه أو نشر في حقه معطيات يعاقب عليها القانون، فالقضاء مفتوح أمامه. وإذا اعتبر شحتان أن أوزين مس بسمعته أو وجه إليه اتهامات غير مؤسسة، فله الحق نفسه في اللجوء إلى العدالة والدفاع عن كرامته واعتباره.
أما أن يصبح الخلاف مناسبة لتحديد من يستحق صفة الصحافي أو من ينبغي أن يستمر في المهنة، فهنا يصبح الأمر متعلقا بمبدأ يتجاوز الرجلين معا.
والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات المهنية. فالتعامل مع الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين وكأن أعضاءها مجرد أصوات يتحكم فيها رئيسها، فيه اختزال غير مقبول لفاعلين وناشرين ومسؤولي مؤسسات إعلامية يملكون تجاربهم ومواقفهم واستقلال قرارهم. يمكن الاختلاف مع الجمعية، وانتقاد مواقفها، بل ومواجهتها بالحجة، لكن لا يصح نزع الإرادة عن أعضائها لمجرد أن موقفهم لا ينسجم مع موقف سياسي معين.
وكان الأجدر، من موقع المسؤولية الحزبية، أن يقدم محمد أوزين نموذجا مختلفا في إدارة هذا الخلاف. فرئيس حزب سياسي ليس مجرد مستخدم آخر لمنصات التواصل الاجتماعي. صفته ترافق كلامه، وموقعه يجعل كلماته ذات وزن سياسي، ولذلك فإن المسؤولية تقتضي منه قدرا أكبر من ضبط الخطاب كلما اشتد الخلاف.
فالسياسة ليست فقط القدرة على الكلام حين نتفق، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف حين يصبح حادا.
ومن يختار العمل السياسي ويطمح إلى تدبير الشأن العام، عليه أن يتقبل حقيقة أساسية: ستوجد دائما صحافة تنتقده، وصحافيون لا تعجبهم قراراته، ومنابر تنبش في مواقفه وتناقضاته وتدبيره. وقد يكون بعضها منصفا وقد يخطئ بعضها الآخر، لكن الرد على الخطأ يكون بالحجة والقانون، لا بمحاولة إخضاع المهنة لمنطق الرضا والغضب.
لذلك، فإن القضية اليوم ليست دفاعا عن إدريس شحتان لأنه إدريس شحتان، ولا مواجهة لمحمد أوزين لأنه محمد أوزين. المسألة تتعلق بحد يجب ألا نتساهل في تجاوزه.
اليوم قد يكون شحتان في قلب السجال، وغدا قد يكون صحافيا آخر، وبعد غد مؤسسة إعلامية أخرى. وإذا أصبح من المقبول أن يصنف السياسيون الصحافيين بين “مهنيين” و”غير مهنيين” بحسب طبيعة علاقتهم بهم، فإننا نكون أمام منطق خطير لا علاقة له باستقلال الصحافة.
يمكن أن نختلف مع شحتان في عشرات القضايا، ثم ندافع عن حقه عندما يتعلق الأمر بمبدأ. ويمكن أن ننتقد مؤسسة إعلامية بشدة، ثم نرفض في الوقت نفسه أن تتعرض لوصاية سياسية. فحرية الصحافة لا تكون حرية حقيقية إذا دافعنا عنها فقط عندما يمارسها من نتفق معهم.
والأمر لا يتعلق بانتصار الصحافة على السياسة، لأن المجتمع يحتاج إليهما معا: يحتاج إلى صحافة قوية وحرة ومسؤولة، ويحتاج إلى أحزاب قوية وديمقراطية ومسؤولة. لكن قوة أحدهما لا ينبغي أن تُبنى على إخضاع الآخر.
لهذا، فالفاصل يجب أن يبقى واضحا.
لمحمد أوزين كامل الحق في نقد إدريس شحتان، وليس له أن يقرر مستقبله المهني. له أن يرد عليه وأن يفند ما ينشره وأن يقاضيه إذا رأى موجبا لذلك، لكن سلطة المحاسبة ليست بيد حزب سياسي ولا أمينه العام.
وبالمقابل، لإدريس شحتان الحق في الدفاع عن نفسه وسمعته وكرامته، مثلما تقع عليه، بصفته فاعلا إعلاميا، مسؤولية احترام القانون وأخلاقيات المهنة.
تلك هي المعادلة التي تحمي الجميع.
فالصحافة التي تنتظر رضا السياسي قبل أن تتكلم تفقد وظيفتها، والسياسي الذي لا يقبل حرية الصحافة إلا عندما تمدحه لا يكون مدافعا عن حرية الإعلام، وإنما عن إعلام على مقاسه.
لا يا أوزين.. الصحافة لا تحتاج إلى إذن من السياسة، ولا إلى رضاها حتى تكون حرة.
