سلطة الشاشة في رمضان .. كيف تبرمج “الوصلات الإشهارية” وعينا الجماعي؟

قبيل أذان المغرب بدقائق، تتحول الشاشات إلى ساحة تنافس شرس، حيث تحتدم معركة الإشهار في ذروتها الرمضانية على شاشات التلفزة والمنصات الرقمية، إنها معركة “الوصلات الإشهارية” التي لم تعد مجرد فاصل ترويجي عابر، بل تحولت إلى ظاهرة ضخمة تفرض سطوتها على المشهد الرمضاني، متجاوزة أهدافها التجارية لتسهم في صياغة قيم وأنماط سلوكية جديدة داخل المجتمع.

لقد أصبحت بعض الشركات الكبرى في رمضان لا تستهدف بيع “منتج” بقدر ما تسعى إلى حجز مساحة في “وجدان” المستهلك، وتعتمد الاستراتيجية الإعلانية الرمضانية على ما يُعرف بـ”الاستثارة العاطفية”، حيث تُحاط السلعة بهالة من الدفء الأسري، وتُغلف بمشاهد التراحم والتضامن. هذا الربط الذكي بين العلامة التجارية والقيم الروحية للشهر الكريم يخلق نوعاً من “الولاء اللاواعي”، يجعل المتلقي يميل عاطفياً إلى منتج دون غيره، وكأن اقتناءه جزء من طقوس الاحتفاء بالشهر الفضيل.

اجتماعياً، تضعنا هذه الوصلات أمام مفارقة واضحة؛ فبينما يدعو جوهر الشهر إلى الزهد والاعتدال، تضخ الرسائل الإشهارية قيماً تدفع نحو الاستهلاك المفرط وأحياناً التفاخري، وقد ساهمت الإعلانات المكثفة في تحويل رمضان إلى موسم استهلاكي بامتياز، حيث تُربط السعادة بكمية الوصفات من حريرة وشباكية وبريوات ومعسلات مختلفة، مرفوقة بأطباق تتصدرها اللحوم البيضاء والحمراء.

ولم يسلم الأطفال من هذا الضغط، إذ تحولوا إلى قوة ضاغطة داخل الأسرة، يطالبون بتفعيل تلك الصور البراقة التي يشاهدونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يروّج لها عدد من المؤثرين من خلال بث أجواء من البذخ والإسراف، مما يرهق ميزانيات الأسر المغربية ويعيد ترتيب أولوياتها بشكل غير متوازن.

أما من الناحية الثقافية تلعب هذه الإعلانات دوراً مؤثراً في رسم صورة “الحياة المثالية”.التي تتجسد في المنازل الفاخرة، والموائد الممتدة، والعائلات التي تبدو في أبهى صورة ، إذ تخلق لدى شرائح واسعة شعوراً بالدونية أو ضغطاً اجتماعياً نتيجة المقارنة القسرية بين واقعهم المعاش وما تعرضه الشاشة. ومع ذلك، من الإنصاف الإشارة إلى بعض المبادرات الإعلانية التي اتخذت طابعاً توعوياً، حيث استثمرت روح الشهر الفضيل لتعزيز قيم التكافل الاجتماعي ودعم القضايا الإنسانية، مع إبراز دور المرأة المغربية في هذا الشهر الفضيل، مقدمة بذلك نموذجاً إيجابياً للإعلام الهادف.

يمكن القول إن تأثير الوصلات الإشهارية في رمضان تأثير مزدوج؛ فهي من جهة محرك أساسي لعجلة الاقتصاد الإعلامي والإنتاجي، ومن جهة أخرى تمثل تحدياً حقيقياً لمنظومة القيم، خاصة حين تنزلق نحو تكريس أنماط استهلاكية تتنافى مع روح الاعتدال.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في منع هذه الرسائل، بل في بناء مناعة إعلامية لدى المتلقي، تجعله قادراً على فرز المضامين بوعي، والاستمتاع بجماليات الصورة دون الوقوع في فخ التنميط أو الاستهلاك المفرط الذي قد يفرغ هذا  الشهر المبارك من جوهره الروحي الأصيل.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...