«المغرب الصاعد»… قراءة في الرسائل الاستراتيجية للخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش المجيد

العالم24 – الرباط

 

جاء الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السنوية لعيد العرش المجيد ليؤكد مرة أخرى أن المشروع التنموي المغربي لا يقوم على تدبير ظرفي أو مقاربة مرحلية، بل على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الإنسان محور التنمية، ومن استقرار المؤسسات ركيزة للإقلاع، ومن السيادة الاقتصادية والتكنولوجية مدخلاً لتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.

ومنذ مستهل الخطاب، برز البعد الإيماني باعتباره أحد مرتكزات الرؤية الملكية، من خلال استحضار قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، في تأكيد على أن ما تحقق من منجزات هو ثمرة توفيق من الله، وأن المسؤولية تقتضي مواصلة العمل بروح الأمانة والإخلاص. وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك على أن الغاية لم تكن يوماً البحث عن مجد شخصي أو مكانة شكلية، وإنما خدمة المواطن المغربي، وتوفير شروط العيش الحر الكريم، باعتبار الإنسان محور كل السياسات العمومية.

وحمل الخطاب تقييماً هادئاً للمسار الوطني، يجمع بين الاعتزاز بما تحقق والتطلع بثقة إلى المستقبل، مؤكداً أن النجاحات التي راكمها المغرب لم تكن وليدة الصدفة، وإنما ثمرة رؤية واضحة، ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة والجرأة، والمتابعة الدقيقة، والتقييم المستمر، والنقد البناء، مع ترسيخ ثقافة الأمل والعمل في مواجهة خطابات التشاؤم والإحباط.

وفي ظل ما يعرفه العالم من أزمات متلاحقة وتحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، أبرز الخطاب أن الأمن والاستقرار اللذين تنعم بهما المملكة، إلى جانب قوة مؤسساتها وتماسكها، يمثلان رأس مال استراتيجياً و«عملة نادرة» في السياق الدولي الراهن. كما أكد أن عراقة الدولة المغربية وانسجام مؤسساتها مكنا المملكة من تدبير مختلف التحديات بكفاءة، سواء من خلال التنظيم المحكم للتظاهرات الدولية والقارية، أو عبر التدبير الاستباقي للأزمات والكوارث الطبيعية، بما فيها الفيضانات التي عرفتها بعض مناطق الغرب والشمال.

وعلى المستوى الاقتصادي، قدم الخطاب مؤشرات تعكس استمرار الدينامية الوطنية، من خلال تسجيل معدل نمو يقارب 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقعات بالحفاظ على هذا المنحى خلال سنة 2026، مستفيداً من موسم فلاحي جيد عزز الأمنين المائي والغذائي، ومؤكداً أن الاقتصاد الوطني يواصل ترسيخ قدرته على الصمود والتكيف مع التحولات الدولية.

ولم يقف الخطاب عند المؤشرات العامة، بل رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها صناعات المستقبل.

ففي قطاع الطيران، أعلن جلالته عن إطلاق مصانع جديدة متخصصة في تصنيع محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، بما يعزز تموقع المغرب ضمن الدول الصناعية المتقدمة في هذا المجال. كما أبرز مواصلة تطوير صناعة السيارات، خاصة في مجال البطاريات الكهربائية، بما ينسجم مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر وسلاسل الإنتاج الحديثة.

وفي المجال الطاقي، أكد الخطاب الانطلاق الفعلي لتنزيل «عرض المغرب» الخاص بالهيدروجين الأخضر، عبر الترخيص للمجموعة الأولى من المشاريع الكبرى، بما يجعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي الوطني، ويعزز جاذبية المملكة للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد منخفض الكربون.

كما أولى الخطاب أهمية خاصة لمفهوم السيادة الوطنية، في ظل عودة النزعات الحمائية والاضطرابات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية، حيث اعتبر أن تحقيق الاكتفاء الاستراتيجي أصبح خياراً وطنياً أساسياً.

وفي هذا الإطار، أشار إلى تطور الصناعة الوطنية وقدرتها على تغطية نحو 80 في المائة من الحاجيات الوطنية في مجالات حيوية، إلى جانب مواصلة بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية في المجال الدفاعي والأمن السيبراني، بما يعزز استقلالية القرار الوطني ويرسخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة.

وفي القطاع السياحي، سجل الخطاب إنجازاً غير مسبوق باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح خلال سنة 2025، وهو رقم يعكس الثقة الدولية في الوجهة المغربية، كما يجسد الدور الذي تضطلع به الجالية المغربية المقيمة بالخارج في دعم هذا القطاع الحيوي.

ولم تغب العدالة الاجتماعية عن مضامين الخطاب، حيث جدد التأكيد على مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، والعمل على تحقيق العدالة المجالية من خلال برامج تنموية مندمجة تشمل مختلف الجهات والأقاليم، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً لثمار التنمية.

وفي الجانب المالي، وجه جلالة الملك نصره الله دعوة واضحة إلى مختلف الفاعلين في القطاع البنكي والمالي من أجل الانخراط بقوة في تمويل التحول الاقتصادي، عبر تسهيل ولوج المقاولات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى التمويلات، ودعم الابتكار والتصنيع والتصدير، وتطوير آليات تعبئة الادخار الوطني وتنشيط الأسواق المالية، بما يواكب حجم الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة.

أما على المستوى الدولي، فقد أكد الخطاب أن المغرب رسخ مكانته كشريك موثوق وفاعل يحظى بالاحترام والمصداقية، بفضل سياسة خارجية قائمة على التوازن والانفتاح، وشراكات متكافئة تتطلع إلى المستقبل، بما يعزز حضور المملكة في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية.

سياسياً، حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن المنجزات الوطنية ليست مرتبطة بولاية حكومية أو ظرف سياسي معين، وإنما هي ثمرة تراكمات استراتيجية ممتدة عبر الزمن، مع استشراف مرحلة جديدة بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، قوامها تحصين المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى في مختلف القطاعات.

واختتم جلالة الملك خطابه بتجديد الاعتزاز والتقدير لكافة مكونات القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والإدارة الترابية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، تقديراً لتجندها الدائم في الدفاع عن أمن الوطن ووحدته واستقراره، كما ترحم بخشوع على أرواح شهداء الوطن، وفي مقدمتهم جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني، قبل أن يختم بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ويقدم الخطاب الملكي، في مجمله، رؤية متكاملة لـ«المغرب الصاعد»، قوامها الجمع بين الثوابت الوطنية والإصلاح المستمر، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين ترسيخ السيادة الوطنية والانفتاح على العالم. وهي رؤية تؤكد أن المملكة تواصل بناء نموذجها التنموي بثبات، مستندة إلى استقرار مؤسساتها، وتراكم منجزاتها، وطموحها إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية وفاعل دولي موثوق، مع جعل المواطن المغربي المستفيد الأول من ثمار هذا المسار.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...