لا خيار أمام المصرفي السابق، غييرمو لاسو، الذي سيتولى اليوم الاثنين منصبه كرئيس جديد للإكوادور، من وصفة سوى الرفع من وتيرة التطعيم ضد فيروس كورونا والانكباب على إحداث التغييرات الاقتصادية الليبرالية التي بشر بها في حملته الانتخابية الأخيرة، وفي حملتيه السابقتين رغم أن الوفاء بهذه الوعود يبدو أكثر صعوبة مما كان متوقعا.
فبعد تأكيد فوزه خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وهو الفوز الذي يعني نهاية حقبة احتكار اليسار للسلطة بالبلد الجنوب أمريكي، أعلن لاسو، البالغ من العمر 65 عاما، عن “تغيير حقيقي” في الإكوادور، وهو التغيير الذي سيقبر 14 سنة من “اشتراكية القرن الحادي والعشرين” لصاحبها الرئيس الأسبق رافاييل كوريا، ويرى مراقبون أن الرئيس المنتهية ولايته لينين مورينو يدور هو الآخر في فلك هذه الإيديولوجية.
“سنعمل معا من الآن فصاعدا من أجل التغيير الحقيقي. اليوم نستيقظ بسلام ويقين بأن أياما أفضل تنتظر الجميع. سأكون رئيس 17 مليون إكوادوري”، قال زعيم حركة “كريو” وهو يعلن فوزه لأنصاره وللإكوادوريين. وأضاف أن مرحلة جديدة في الإكوادور “بدأت ويمكننا أن نعيش فيها جميعا بشكل أفضل”، لكن وصوله إلى قصر “كارونديليت” الرئاسي يأتي في سياق خاص إذ تصارع البلاد وباء كورونا، الذي فاقم أزمتها الاقتصادية، بموارد مالية محدودة، فضلا عن معارضة برلمانية قد تكون غير رحيمة بمشاريعه التي سيحيلها على البرلمان لمحاولة تنزيل برنامجه الانتخابي المغري للإكوادوريين.
وفاز لاسو بالجولة الثانية، التي أجريت في أبريل الفائت، بنسبة أصوات أقل من تلك التي حصل عليها في انتخابات 2017، وذلك بعد أن ظفر بنحو 20 بالمائة فقط من الأصوات في الجولة الأولى، كما خسر حزبه مقاعد في البرلمان.
فأمام برلمان (137 مقعدا) يهيمن عليه أنصار الرئيس الأسبق كوريا بـ 49 مقعدا وحزب “باتشاكوتيك”، ممثل الشعوب الأصلية والذي كان مفاجأة الانتخابات الماضية، بـ 45 مقعدا، سيكون الرئيس، الذي لم يتمكن حزبه من الظفر سوى بـ 12 مقعدا فقط، مضطرا إلى البحث عن تحالفات داخل البرلمان وربما التنازل أو تعديل بعض مقترحاته لضمان تنزيل برنامجه الانتخابي. ورغم ذلك يعقد المستثمرون الدوليون ورجال الأعمال المحليون آمال كبيرة ويمنون النفس بأن يتمكن الساكن الجديد لقصر “كارونديليت” من إخراج البلاد من الركود الاقتصادي الذي تعاني منه منذ سنوات.
وفي حديثه عن الوصفة الكفيلة بإخراج البلاد من محنتها الاقتصادية، يذكر لاسو، ذو التوجهات المحافظة سياسيا والنيوليبرالية اقتصاديا، بتجربته كرجل أعمال ناجح يعرف صيغة خلق فرص العمل وإعادة البلاد إلى مسارها الصحيح، مسار التنمية والإنتاج، ويستشهد بتجربته على رأس “بانكو غواياكيل”، أحد أكبر المؤسسات المالية الوطنية في البلد الجنوب أمريكي.
ويبدو أنه يعول في البرلمان على تحالف مع “باتشاكوتيك” للدفع بمبادراته التشريعية، وذلك ما يؤكده دعم أعضاء حزب “كريو” لانتخاب غوادالوبي يوري، من الشعوب الأصلية، رئيسة للسلطة التشريعية، والتي اعتبرت في كلمة بالمناسبة “أننا جمعيا أمام فرصة كبيرة للعمل من أجل مصالحة وطنية حقيقية”.
وتحدثت يوري، التي سبق أن اعتقلت خلال حكومة كوريا، أيضا عن الحاجة إلى “مصالحة اجتماعية في بلد منقسم مثل بلدنا”، وطالبت بالعمل “بطريقة منسقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية والحكومات المحلية”، انطلاقا من الحاجة إلى العمل بـ”نجاعة وفعالية ومسؤولية كبيرة”.
وأضافت أن حكومة لاسو مطالبة بالحكم وفق مبادئ الحكامة “لتسود الديمقراطية، التي تعني التنوع في وجهات النظر والآراء، لكن يبقى الهدف ذاته وهو تنمية البلاد”.
وتابعت عضو “باتشاكوتيك”، في ما يشبه رسالة طمأنة إلى حكومة لاسو، أن البرلمان أو بالأحرى أعضاء حزبها سيسعون إلى “تحقيق هذه المصالحة الحقيقية لأننا نحتاج إلى أن يكون لبلدنا أيضا رسالة واضحة مفادها أن جميع أعضاء البرلمان سيعملون إلى جانب رئيس الجمهورية”.
تحالف “كريو” و”باتشاكوتيك”، دفع مرشحه السابق للانتخابات الرئاسية، ياكو بيريز، إلى مغادرة الحزب والعودة إلى “المقاومة”، واعتبر أن رفاقه “تحالفوا مع حكومة بأجندة تشريعية غير شفافة”. أجندة حكومة لاسو نيوليبرالية وستستمر، وفق رأيه، في ممارسة أنشطته استخراج المعادن.
وكثيرا ما كانت قضايا حماية البيئة محط جدال بين الشعوب الأصلية والحكومات في المنطقة، وإدراكا منه بذلك وفي محاولة لاستمالة “باتشاكوتيك” ومن ورائه المجتمعات الأصلية، وعد لاسو بتجديد عقود إنتاج الخام لجذب المزيد من الاستثمارات، وتعهد بالحد من التنقيب في منطقة الأمازون. وكان نشطاء من هذه الشعوب قد اتهموا حكومة الرئيس الأسبق كوريا بإعطاء الأولوية لإنتاج النفط على حساب البيئة والمجتمعات الأصلية.
كما أكد أنه سيبقي على سياسة التقشف المالي وتحدث عن تمويل بصيغة جديدة من جانب البنك المركزي لمواجهة الضغوط الاجتماعية وخلق التوازن بين النمو والأهداف المالية. تحقيق هذا الهدف يعني أن الرئيس مدعو إلى تعديل بعض مقترحاته، لاسيما تلك المتعلقة بقضايا رئيسة مثل الضرائب وخلق فرص العمل وإصلاح الضمان الاجتماعي، وأيضا تقديم تنازلات سياسية كبيرة لتأمين الدعم داخل البرلمان.
فلاسو، الذي استبعد فرض ضرائب جديدة، قد يطالبه حلفاؤه في البرلمان بنوع من الضرائب، ولو بشكل مؤقت، على الدخل أو الثروة أو الشركات الكبرى وهي الخطوة التي اتخذتها بلدان في المنطقة للتخفيف من تداعيات الوباء كالأرجنتين وبوليفيا.
ويبدو تنزيل الإصلاحات المغرية، التي وعد بها زعيم “كريو”، غير مضمون كما ذكرت ذلك وكالة “فيتش”، التي أشارت في أحدث تقرير لها إلى أن حكومة لاسو تعد بالاستمرار في الابتعاد عن السياسات التي قوضت خلال العقد الماضي الأسس الاقتصادية للإكوادور، “لكن أي تحسن كبير سيعتمد على التعديلات والإصلاحات المالية الصعبة لتعزيز النمو، والتي ليست مضمونة على الإطلاق”.
سيكون لاسو أمام اختبار القدرة على إنعاش الاقتصاد ودعم الفئات الأكثر فقرا وتسريع وتيرة التلقيح، لاسيما وأنه تعهد بتطعيم تسعة ملايين شخص خلال المائة يوم الأولى من حكمه ضد فيروس كورونا، الذي دفع ثلث السكان إلى دائرة الفقر، وتسبب في فقدان نحو نصف مليون شخص لوظائفهم.
فالوضع الاقتصادي الصعب للبلاد، دفع الرئيس المنتهية ولايته العام الماضي إلى اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية لاقتراض 5ر7 مليار دولار، كما أنه يرتقب أن تتوصل الإكوادور بمليارين و500 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، على الرغم من أن الفريق الاقتصادي الجديد تحدث عن إعادة التفاوض بشأن شروط هذا الدين.
أما عن السياسية الخارجية التي يبتغيها للإكوادور، فيدعو إلى الانفتاح دون تحيزات إيديولوجية وإرساء علاقة خاصة مع الولايات المتحدة، الشريك الأساسي لبلاده. فخلال أول زيارة له إلى كولومبيا بعد إعلان فوزه بالانتخابات، دافع لاسو عن “الانفتاح الاقتصادي للإكوادور على العالم” والانضمام إلى تحالف المحيط الهادئ.
ليست التحديات الاقتصادية وحدها التي ستطرح على إدارة لاسو، بل ثمة تحديات أخرى كمكافحة الجريمة المنظمة وأزمة السجون والفساد واستقلال القضاء تقول الحكومة إنها تملك سياسات وبرامج لمعالجتها.
