العالم24, ألقى السيد رئيس الحكومة كلمته الافتتاحية خلال افتتاح أشغال النسخة الثانية للمناظرة الإفريقية للحد من المخاطر الصحية تحت شعار « الماء، البيئة، والأمن الغذائي » والتي جاء فيها:
أصحاب المعالي والسعادة؛ حضرات السيدات والسادة؛
بداية، يسعدني افتتاح أشغال النسخة الثانية للمناظرة الإفريقية للحد من المخاطر الصحية تحت شعار « الماء، البيئة، والأمن الغذائي » التي يتم تنظيمها من طرف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بشراكة مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وجمعية الصحة العامة الإفريقية، والمنعقدة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. كما لا يفوتني أن أوجه شكري إلى جميع الوفود الوطنية والإفريقية والدولية. وأتمنى لكم جميعا مقاما طيبا بمدينة مراكش.

أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
تنعقد هذه المناظرة الإفريقية الهامة بعد الزلزال الذي شهدته بلادنا يوم 8 شتنبر 2023، والذي دبرت بلادنا والحمد لله تداعياته بشكل سريع وفعال ، وذلك بفضل السياسة الاستباقية والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي شملت عدة برامج استعجالية لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بهم على المستوى الصحي والاجتماعي والنفسي، وتقديم مساعدات لهم، وإعادة التأهيل والبناء في المناطق المتضررة من هذه الكارثة الطبيعية .
وفي سياق هذه الظروف، ارتأينا تخصيص جلسة خاصة بهذه المناظرة للنقاش حول السبل الكفيلة للحد من المخاطر في تدبير الكوارث الطبيعية التي يمكن أن تحدث في أي وقت، حيث تتطلب تنفيذ تدابير استراتيجية جريئة ومتعددة الأبعاد، تعالج بشكل شامل مختلف جوانب التحديات المناخية وعواقبها.

أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
إن موضوع المناظرة لهذه السنة: ” الماء، والبيئة، والأمن الغذائي “. يكتسي أهمية بالغة، حيث تتداخل هذه العناصر فيما بينها وترتبط بشكل وثيق بصحة ورفاهية سكان قارتنا الإفريقية. كما أنها تمثل مجالات لازالت تشهد تحديات كبرى، لا سيما في السياق الحالي الذي يتسم بالتداعيات السلبية الناتجة عن تدهور بيئتنا على صحة مواطنينا وكوكبنا.
ومن هذا المنطلق، تكتسي الاستراتيجية الوقائية لمواجهة المخاطر الصحية أهمية قصوى للتخفيف من المرض والوفيات الناتجة عن التدهور البيئي وسوء التغذية وجودة المياه، وتخفيف الضغط على المنظومة الصحية والتقليل من العبء الاقتصادي الذي يثقل كاهل الأسر والمؤسسات المدبرة لأنظمة التأمين على المرض وعلى موارد الدولة.
وفي هذا الصدد، ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن المخاطر البيئية المعروفة التي يمكن الوقاية منها مسؤولة عن نحو ربع إجمالي الوفيات والأمراض في جميع أنحاء العالم، ما يمثل حصيلة مخيفة من الوفيات تناهز حوالي 13 مليون شخص سنويا. وعلى ضوء هذه المعطيات، تؤكد الاستراتيجية العالمية لمنظمة الصحة العالمية المتعلقة بالصحة والبيئة وتغير المناخ، التي اعتمدتها خلال جمعيتها في دورتها الثانية والسبعين، على ضرورة اتخاذ إجراءات مشتركة بين القطاعات على جميع المستويات، وذلك لحماية الصحة، وتشجيع التنمية الصحية والصديقة للبيئة، وتعزيز تفعيل مقاربة ” الصحة الواحدة”” one Health ” .

أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
إن المكتسبات التي تحققت في قطاع الصحة بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في مكافحة وباء ” كوفيد – 19 “، مكنت المنظومة الصحية الوطنية من اكتساب مناعة في مواجهة الأزمات الصحية وعززت العمل المشترك بين مختلف القطاعات والشركاء من أجل مواجهة فعالة وناجعة لهذه الأزمات.
وهنا نستحضر الانخراط القوي لبلادنا تحت قيادة جلالة الملك نصره الله، الذي أطلق في عز الجائحة، أشغال إنشاء مصنع لإنتاج اللقاح المضاد لكوفيد- 19 ولقاحات أخرى، وهو ما سيساهم في تعزيز السيادة اللقاحية للمملكة وتوفير عدد من اللقاحات للقارة الإفريقية. حيث يتوخى هذا المشروع بحلول سنة 2025 تغطية أكثر من 70 بالمئة من احتياجات المملكة من اللقاحات وأكثر من 60 بالمئة من احتياجات القارة الإفريقية. كما يطمح على المدى الطويل (2023-2030)، إلى إحداث قطب إفريقي للابتكار البيوصيدلاني واللقاحي بالمغرب معترف به عالميا.
وفي إطار هذه السيرورة وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية، يشهد القطاع الصحي حاليا ورشا إصلاحيا مبتكرا سيمكنه من إرساء منظومة صحية قوية ترتكز على مؤسسات استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية بكثير من الفعالية والصمود.

أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
مما لا شك فيه، أنكم تدركون الوقع الإيجابي لتنزيل الاستراتيجيات المتكاملة والمندمجة، الهادفة إلى الحد من التهديدات المناخية على الصحة العامة، والناجمة عن التدهور البيئي واستنزاف الموارد المائية. وفي هذا الصدد، أود أن أذكركم بخطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية يوم 14 أكتوبر 2022، والذي جاء فيه ما يلي:
“كما أن الحالة الراهنة للموارد المائية تسائلنا جميعا، حكومة ومؤسسات ومواطنين، وتقتضي منا التحلي بالصراحة والمسؤولية في التعامل معها، ومعالجة نقط الضعف، التي تعاني منها… ” (انتهى منطوق خطاب صاحب الجلالة).
وعلى الصعيد القاري، من المتوقع أن تصل ندرة المياه إلى مستويات عالية بحلول سنة 2025، حيث سيعيش ما يقدر بنحو 1.8 مليار شخص في بلدان أو مناطق متأثرة بالندرة الكاملة للمياه، ويمكن أن يعيش ثلثا سكان العالم في ظروف الإجهاد المائي.
وفي هذا الإطار، أكدنا على التزامنا بالتحول نحو عالم تكون فيه المياه آمنة خلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمياه، الذي تم انعقاده شهر مارس 2023 وانتهت أشغاله باعتماد برنامج عمل يشمل أكثر من 700 التزام يهدف إلى تسريع التقدم نحو تحقيق الهدف 6 من أهداف التنمية المستدامة 2030.
وفي ظل التحديات البيئية والمناخية التي يواجهها العالم، أصبح تحويل أنظمتنا الغذائية وسلاسل القيمة الغذائية الفلاحية نحو قدر أكبر من الاستدامة والقدرة على الصمود، أولوية لضمان الأمن الغذائي لبلادنا.
وفي هذا الإطار، يعد تحقيق الأمن المائي شرطا ضروريا لتحقيق السيادة الغذائية، خاصة وأن بلادنا تعرف منذ أكثر من 5 سنوات فترة جفاف استثنائية بفعل التغير المناخي، مما يفرض ضغوطا متزايدة على النظم الغذائية ويجعلها أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والبيئية.
وبفعل هذا الوضع المناخي الاستثنائي، تم تسجيل انخفاض غير مسبوق في مستوى الواردات من المياه ومخزون السدود والفرشات المائية.
ورغم التأثيرات لمترتبة عن هذا الوضع المناخي والأزمة الصحية والحرب الأوكرانية الروسية، مكنت الجهود المبذولة من طرف الحكومة من تأمين تزويد السوق الوطنية بالمواد الغذائية الأساسية بصفة منتظمة، رغم بعض الإكراهات، بالإضافة إلى تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب بشكل منتظم.
حيث رفعت الحكومة من الاستثمارات في البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020- 2027 لتصل إلى أكثر من 14 مليار دولار، وذلك من أجل تسريع وتيرة الاستثمار في مجال الماء.
وفي هذا الإطار تشتغل الحكومة على تصور جديد حتى تتمكن بلادنا من خلال هذا البرنامج تأمين مخزون مائي إستراتيجي لدعم السيادة الغذائية لبلادنا، عبر:
مواصلة تطوير سياسة السدود، التي راكمت فيها بلادنا رصيدا تاريخيا، وتجربة رائدة في المنطقة والعالم؛
إنجاز مشاريع هيكلية كبرى للربط بين الأحواض المائية؛
تأمين الحاجيات المائية للمدن الساحلية من خلال اللجوء إلى وسائل مبتكرة كمشاريع تحلية مياه البحر. ومن بين التجارب الرائدة والناجحة في هذا الإطار، مشروع شتوكة لتحلية مياه البحر، الذي تم إنجازه في آجال قياسية واستثنائية خلال فترة الأزمة الصحية كوڢيد 19، ما مكن من تأمين تزويد مدينة أكادير بالماء الصالح للشرب، وتزويد منطقة شتوكة لإنتاج البواكر بماء السقي على مساحة 15.000 هكتار مما ساهم في تأمين السوق الوطنية بالخضر؛
تخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية من جهة، وتأمين وتزويد الدوائر المسقية بالماء من جهة أخرى، مما سيمكن من تحصين السيادة الغذائية لبلادنا من التقلبات المناخية.
وستمكن هذه المجهودات من دعم السيادة الغذائية لبلادنا وضمان تزويد السوق الوطنية بالمواد الغذائية الأساسية بصفة منتظمة بالإضافة إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام الفلاحي، فضلا عن تحسين ظروف عيش الفلاحين.
ومن أجل الحرص على صحة المواطنين، وسلامة المنتجات الغذائية، وجبت الإشارة إلى أن بلادنا تعمل من خلال مجموعة من المؤسسات، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية على مراقبة المنتجات الغذائية سواء المحلية منها، أو المستوردة وفق إجراأت صارمة للمراقبة من أجل التأكد من خلوها من الملوثات وبقايا المبيدات واحترامها لمعايير السلامة الصحية عموما.
أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
إن مواجهة التحديات والأزمات الإقليمية التي تحيط بنا تستدعي توحيد الجهود والعمل المشترك من أجل تعزيز الأمن الصحي والبيئي في القارة الإفريقية، ووعيا بهذه المسؤولية، بادرت المملكة المغربية، وفقا للرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، إلى إطلاق مبادرة طموحة تهدف إلى جعل القارة الإفريقية مندمجة وذات رؤية جماعية موحدة، متحدة ومتضامنة في مواجهة الأزمات، وهو ما ينسجم مع جهود منظمة الصحة العالمية وتوصيات مؤتمر الأمم المتحدة حول المياه.

أصحاب المعالي والسعادة؛
حضرات السيدات والسادة؛
إن هذه المناظرة الهامة مناسبة لدراسة ومناقشة مختلف القضايا والحلول والاستراتيجيات التي تهم الماء والبيئة والأمن الغذائي في ارتباطها مع تعزيز الصحة والحد من المخاطر الصحية على مستوى القارة الإفريقية، ولـي اليقين أن خلاصات هذه المناظرة الغنية ستكون رافدا مهما للمجهودات التي تبذلها حاليا بلادنا للرقـي بصحة المواطنين وساكنة قارتنا الإفريقية وتعزيز الأمن الصحي فـي إفريقيا وتعزيز التقارب والتضامن بين شعوب القارة.
ولا يفوتني في الختام أن أتوجه بالشكر الجزيل لجميع من ساهم في تنظيم هذه المناظرة الدولية الهامة، من أطر ومسؤولي القطاعات المعنية وكذا من كافة الشركاء.
وأتمنى لأشغال هذه المناظرة كامل التوفيق والنجاح، راجيا من الله عز وجل أن يوفقنا لـما فيه خير هذا البلد الأمين، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
المصدر: alalam24

