ضمن مشاركة مجلس الجالية المغربية بالخارج في فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تقاسم عدد من الكتاب والمسرحيين المغاربة المقيمين بالخارج تجاربهم الإبداعية ورؤاهم الفنية خلال ندوة احتضنتها التظاهرة الثقافية، يوم الجمعة 8 ماي 2026، حول موضوع الكتابة المسرحية في سياق الهجرة.
الندوة، التي أدارها مدير متحف “موسم” ببلجيكا محمد إقوبعان، سلطت الضوء على تجارب كل من كنزة برادة المقيمة بفرنسا، وأمال مالفي لخطارا، وإلياس المتيوي من بلجيكا، حيث ناقش المشاركون التحولات التي تعرفها الكتابة المسرحية لدى الجيل الجديد من الفنانين المنحدرين من الجالية المغربية، وما تحمله أعمالهم من أسئلة مرتبطة بالهوية والهجرة والعلاقات الإنسانية.
كنزة برادة: المسرح لقاء بين الأدب والجسد
وفي مداخلتها، استحضرت المخرجة كنزة برادة بدايات علاقتها بالمسرح منذ طفولتها بمدينة الرباط، قبل انتقالها إلى فرنسا لمتابعة دراستها في الأدب، مؤكدة أن شغفها بالمسرح ظل حاضرا باعتباره فنا يجمع بين الكتابة وحضور الجسد والتفاعل المباشر مع الجمهور.
وتوقفت برادة عند أول أعمالها المسرحية “بوجلود”، الذي انطلق ضمن مشروع للكتابة المسرحية بالرباط، موضحة أن العمل تناول موضوع العنف ضد النساء من خلال استلهام أسطورة “بوجلود”، بما تحمله من رموز مرتبطة بالأرض والخصوبة. كما أشارت إلى اختلاف تلقي العرض بين الجمهور المغربي، الذي يمتلك معرفة مسبقة بالخلفية الثقافية للأسطورة، والجمهور الفرنسي، رغم أن قضية العنف ضد النساء تبقى قضية مشتركة بين مختلف المجتمعات.
كما تناولت في أعمال أخرى العلاقات الأسرية في سياق الهجرة، من خلال مسرحية “أم وطفل”، إضافة إلى اهتمامها بعلاقة المهاجرين باللغة الأم، خاصة الدارجة المغربية التي وصفتها بأنها من أكثر اللغات تداولا داخل فرنسا.
أمال مالفي لخطارا: الموسيقى والصورة بدل الكلمات
من جهتها، قدمت الكاتبة والفنانة أمال مالفي لخطارا ملامح تجربتها المسرحية التي تتوزع بين بروكسيل، حيث ولدت وترعرعت، ومدينة طنجة التي ترتبط بها عاطفيا رغم غياب الروابط العائلية المباشرة.
وأوضحت الفنانة أنها دخلت عالم المسرح بالصدفة، بعدما بدأت اشتغالها في مجال السينما، قبل أن تكتشف أن المسرح يمنحها مساحة أوسع للتعبير عبر المزج بين الموسيقى والصورة والكتابة.
وتعتمد أمال في أعمالها على سينوغرافيا بصرية قائمة على الحركة والضوء والموسيقى، مع تفضيلها للفضاءات المفتوحة وغير التقليدية، معتبرة أن التعبير بالموسيقى والأضواء أحيانا يكون أبلغ من الكلمات.
ويتجلى هذا التوجه في عرضها المسرحي “FI FI FILE”، الذي يمزج بين الأداء المسرحي والموسيقى والديكور داخل فضاء يحاكي ازدحاما مروريا متواصلا، وهو عمل أهدته لوالدتها المنحدرة من الهجرة المغربية، مستحضرة من خلاله ذكريات الطفولة داخل سيارة الأسرة باعتبارها فضاء للتعبير والانفعال.
إلياس المتيوي: المسرح فضاء للحرية والسخرية
أما الكاتب والمخرج المسرحي إلياس المتيوي، فتحدث عن علاقة معقدة تجمعه بالمسرح، تتداخل فيها مشاعر الحب والنفور، لكنه يعتبره في النهاية الفضاء الذي يسمح بطرح جميع القضايا بحرية أمام الجمهور.
وقدم المتيوي لمحة عن عمله المسرحي “إعصار”، الذي يعالج، من خلال شخصية عامل توصيل، العلاقات بين الطبقات الاجتماعية وأشكال العنف المختلفة داخل المجتمع، مبرزا كيف يمكن للإنسان أن يكون في الآن نفسه ضحية للعنف ومصدرا له.
وأكد المخرج المغربي البلجيكي أنه لا يدافع عن “مسرح أخلاقي”، مشيرا إلى أن توظيف السخرية في أعماله لا يقلل من جدية المواضيع المطروحة، بل يهدف إلى تقريب النص من الجمهور وتسهيل تلقيه.
كما أوضح أن أعماله تهتم بقضايا الهجرة والتحولات المجتمعية والعلاقة بين الأجيال، معتبرا أن الحوار بين الشباب وكبار السن يظل ضروريا لتجاوز التوترات القائمة، مضيفا أن انتماءه المزدوج إلى المغرب وبلجيكا يشكل بالنسبة إليه مصدر غنى وتوازن داخلي.


