بقلم: إدريس أسا
نظمت الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة بتنسيق مع جمعية شبابنا بميدلت ندوة علمية في موضوع العمارة والفنون في النصوص الرحلية وقد سير اشغالها الأستاذ لحسن احسايني وذلك يوم السبت 23 ماي 2026 بالمركز الثقافي بميدلت.
وفي صبيحة انعقاد هذه الندوة العلمية، نظمت جمعية شبابنا لفائدة المشاركين فيها، رحلة علمية إلى زاوية سيدي حمزة (تبعد عن ميدلت بحوالي 70 كلم). وكان الهدف من هذه الرحلة هو زيارة مكتبة الرحالة المغربي الشهير أبي سالم العياشي التي تحتوي على أزيد من 3000 مخطوط التي تحظى بعناية أحفاد العياشي وبرعاية من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وبعد العودة من هذه الرحلة انطلقت أشغال الندوة التي سير أشغالها الأستاذ لحسن احسايني، وافتتحت بكلمتي الجمعيتين المنظمتين اللتين تولى تقديمها بوشعيب الساوري عن الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة، والأستاذة ابتسام آيت علي عن جمعية شبابنا.
الورقة الأولى قدمها الأستاذ عبد العالي دمياني، وحملت عنوان “مفارقة التمثيل بين محكي رحلي ولوحة صباغية فرنسيين”، عالج فيها سؤال العلاقة بين المحكي الرحلي والرسم الصباغي في مدونة الأعمال الفرنسية الخاصة بالمغرب في القرن التاسع عشر. وقد تناول الباحث في هذا الصدد رحلة “سفارة إلى المغرب” لغابرييل شارم، ولوحة “إعدام دون محاكمة في ظل حكم الملوك الموريسكيين لغرناطة” للرسام هنري رينيو.
يتمحور موضوع هذه الأخيرة حول “نكبة بني السراج” في عهد السلطان أبي الحسن، والد أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك الأندلس قبل سقوط غرناطة، وفي هذا العمل الصباغي الشهير، يتكئ الرسام الفرنسي في رسم “جلاد غرناطة” على قايد مغربي يعمل انكشاريا في المفوضية الفرنسية بطنجة، ويظهره قاطعا رأس شبيه له، ومن خلال جسده يشخص مظاهر القوة والفظاظة والكبرياء.
أما المحكي الرحلي فيقف عند المعطى الواقعي لهذا القايد، الذي يحمل اسم محمد الكلاعي، ويتطرق لحيثيات تجسيده موديلا لهنري رينيو خدمة لموضوعه ذي الطابع التاريخي، بيد أن الصورة القلمية، التي يرسمها غابرييل شارم تبدو نقيض نظيرتها في اللوحة. وقد فصل الباحث في مفارقة التمثيل بين العملين، الأدبي والتشكيلي، وكيف عمد الرحالة والرسام في منزعهما الاستشراقي، كل حسب استراتيجيته التعبيرية، إلى اللعب بالنموذج المرجعي، واستثماره لصالح مقاصدهما الإيديولوجية والجمالية.
في ورقة الأستاذ حسن باها بعنوان “السيرة الذاتية كأداة للتحليل السيميائي للآخر في النص الرحلي «العربي في المستقبل 1» لرياض ساطوف.” سعى الأستاذ حسن باها في مداخلته إلى تقديم تحليل سيميائي وثقافي مقارن للجزء الأول من المحكي المصور “عربي المستقبل” للكاتب رياض سطوف. وإلى جانب أدوات السيميائية البصرية، استندت قراءته أيضاً على الدراسات ما بعد الكولونيالية والسرديات.
بدأ تحليلها برؤية المؤلف للمجالات المكانية التي عبَرَها الطفل، وذلك من خلال “القواعد اللونية”؛ ففي هذا السرد، تحمل الألوان دلالات محددة، حيث يرمز كل لون (الأزرق، الأصفر، الأحمر) إلى ارتباط هوياتي وعاطفي معين.
بعد ذلك، ركز على استراتيجيات صياغة الآخر لغوياً، إذ تمنح المادية البصرية للفقاعات وعلامات التشكيل تجسيداً ملموساً لتجربة التباين الثقافي. كما تناول بالبحث التمزق الثقافي للذات، حيث سلط النص الرحلي الضوء على خيبة الأمل السياسية للأب أمام واقع الميدان.
وأكدت الـدراسة على دور الطفل الشاهد في تفكيك النماذج الاستشراقية الكلاسيكية. في المقابل، يضمن أسلوب “الخط الواضح” (La ligne claire) مسافة نقدية تجاه العنف المُصوَّر. ختاماً، أظهر هذا العمل قدرة المحكي المصور على المصالحة بين الذاكرات المتشظية لفهم النص الرحلي عبر السرد الغرافيكي.
الورقة الثالثة قدمها الأستاذ لحسن آيت الفقيه، بعنوان “تدهور الرموز الثقافية الامازيغية لدى ايت يزدك بواد أوطاد (ميدلت) من خلال كتاب (رحلات إلى المغرب) للرحالة دوسيكونزاك” أكد فيها أنه في سنة 1884 لاحظ شارل دو فوك الذي دخل مجال كلميمة بحوض غريس، تدهور الرموز الثقافية في المعمار، مقارنة مع دادس وتودغى. وفي بلاد أيت يزدك من قصر السوق إلى القصابي لم يقتصر التدهور على المعمار وحده بل غشي الأزياء. وبعد وصول دو سيكونزاك واد أوطاط أورد في رحلاته ما بين 1889 و`1901 بعض الإشارات حول الزي غير المتكامل العناصر.
وحاول الأستاذ آيت الفقيه في هذه المداخلة، بيان أوجه التدهور، وملامسة العوامل التي أدت إلى انهيار جزء كبير من رموز الهوية الثقافية لدى قبيلة ايت يزدك، دون إغفال الإحاطة بما يمكن إنقاذه اعتمادا على الأنساق الثقافية المتماسكة لدى القبائل المجاورة نحو أيت حديدو وأيت مرغاد، بما هي تنحدر، إلى جانب أيت يزدك، من صنهاجة الجنوب.
من جهته عمل الأستاذ إبراهيم العدراوي في ورقة وسمها بـ “الرحلة والفنّ في رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب”، وقد قدمها بالنيابة عنه الأستاذ مبارك عاطف، انطلق فيها من كون رحلة الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا إلى المغرب عام 1832 تمثل نموذجًا للعلاقة الوثيقة بين الفن وأدب الرحلة؛ ذلك أن الفنّان حرص على تدوين مشاهداته الرحلية، وتسجيل ملاحظاته في كراسات خاصة، وكانت موضوعا لمراسلاته، بالإضافة إلى أنه سجّل انطباعات عنها في مقالات وذكريات… كما عمل على اقتناء مجموعة من الملابس والحليّ وغيرها، وحملها معه إلى باريس، حيث وظفها في رسم لوحات كثيرة عن المغرب، شكّلت، حسب نقّاد الفنّ، نقلة نوعية في مساره الإبداعي.
سعت الدراسة إلى البحث في بلاغة الخصائص النوعية للكتابة الرحلية عند أوجين دولاكروا، ووظيفتها في خدمة مشروعه الفنّي. فإذا كانت هذه الرحلة حدثا حاسما في حياة الفنان، وتحولا أساسيًّا في فنه سواء في موضوعاته أو أساليبه، وعلامة أساسية في تطور الفن الحديث في فرنسا والعالم. فإنّ العدراوي يفترض أن دولاكروا، من خلال تدوين رحلته، قد أضاف اضافة نوعية أيضًا إلى فن الكتابة الرحلية، والكتابة عن المغرب.
الورقة الأخيرة قدمها الأستاذ إبراهيم البوعبدلاوي بعنوان “المغرب العتيق في رحلات لوتي وريشي وهاريس: عمارة ما قبل الاستعمار”، تناول فيها صورة العمارة المغربية في كتابات بيير لوتي وإيتيان ريشي ووالتر هاريس قبيل الحماية الفرنسية، من خلال الكشف عن تمثلاتهم للمغرب بوصفه فضاء عتيقا يجمع بين الجمال والخراب. وقد ركز بيير لوتي على وصف المدن المغربية، خاصة طنجة وفاس، مبرزا سحر العمارة المحلية وما يطبعها من عتاقة وروحانية.
أما إتيان ريشي فقد قدّم صورة أكثر ارتباطا بالخلفية الاستعمارية، حيث رأى أن المغاربة يعيشون على أمجاد معمارية قديمة دون المحافظة عليها. كما توقف عند جمال أبواب مكناس وجامع القرويين باعتبارهما نموذجين لعبقرية الفن المغربي. في حين أبرز والتر هاريس مظاهر الترف في قصر الباهية بمراكش وما يعكسه من مهارة الصناع المغاربة. وخلص البوعبدلاوي إلى أن الرحالة الغربيين جمعوا بين الإعجاب بالفن المغربي وتمثيل المغرب باعتباره بلدا متخلفا ومهيأ للتدخل الاستعماري.
