حين يمزق العلم المغربي أمام العالم.. هل يصبح الصمت حكمة؟

ذ. محفوظ كيطوني -العالم24

حين يمزق العلم المغربي في احتجاجات أمام البرلمان الاسباني في مدريد وتتداوله مختلف قنوات العالم، فالأمر هنا لم يعد يتعلق بصورة هامشية او حدث منعزل او من قبل شخص منفصل ، بل باهانة رمز من رموز السيادة و الهوية الوطنية لايمكن باي حال من الأحوال المرور عليها و كأن شيئا لم يقع .

فالذي تم تمزيقه ليس مجرد قطعة قماش أحمر يتوسطه نجمة خضراء نستحضره في احتفالاتنا و انتصاراتنا و حتى في احتجاجاتنا ونفرضه على مختلف الفنانين الأجانب في منصات المهرجانات ..وان كان لنا تحفظ  مطلق في التعامل و استعماله في المكان اللائق به ..فانما العلم رمز الدولة و الشعب و السيادة و الهوية و الذاكرة المشتركة

فبالرغم من مبادرة البعض الى ادانة الواقعة وهي مواقف ينبغي تسجيلها لأصحابها و الإشادة بها عاليا ، لكن تسجيل ذلك لا يلغي السؤال القابل للنقاش و الأكثر الحاحا و هو :

أين الباقون ؟؟

اين هي مختلف الأحزاب وخاصة الكبيرة التي تتنافس هذه الايام على كل شيء و في كل شيء ،على الماء و السماء و الشجر و الحجر ..والتي لم تكن تكاد تترك تصريحا انتخابيا أو خلافا سياسيا أو سجالا عابرا أو حتى لمزة دون ان يكون لها راي فيه أو بلاغ أو رد ؟؟

اين الجمعيات و الهيئات و المنظمات و الرابطات و النقابات و الفيدراليات التي لوقت قريب أصبحت البيانات و البلاغات بالنسبة لاغلبها جزءا من نشاطها اليومي و استمرار وجودها الفعلي ؟

الى غاية حدود ما أمكن رصده الى كتابة هذه السطور ، بدا حجم التفاعل المدني و الحزبي محدودا جدا بالرمزية التي تحملها الواقعة من جهة أولى ،ومن جهة ثانية بالظرفية و التي  تتنافس فيها الاحزاب في نقل الجماهير للقاءات و القاعات و اختيار الخطابات و اطلاق الشعارات و تنظيم الاحتفالات و تدجين الصفحات ومحاولة تعبئة الحس النضالي ان بقي هناك نضال و اتصال ،،

فان كان من حق أي مواطن اسباني أن يحتج على حكومته ،وأن يناقش سياسة بلده و ان ينتقد علاقتها مع مملكتنا و ان يدافع عن تصوراته و مطالبه باحتجاجات ،،ففي نفس الوقت من حقنا نحن أيضا أن نقول ان تحويل الخلاف السياسي الى استهداف لعلم بلد بأكمله أمر مرفوض و لا مجال للانتظار  أو السكون ،،خاصة عندما يقع في سياق يتداخل فيه الاحتجاج السياسي مع خطاب متطرف مناهض للمهاجرين .

فالواقعة لم تصدر عن مواطن غاضب مر صدفة أمام تظاهرة و تحمس قليلا ،بل صدر من بيدرو تشابارو رئيس حزب الديمقراطية الوطنية، الاسباني ونائبه غونزالو مارتين ،هذا التنظيم المصنف ضمن اليمين المتطرف وقد تبنى التنظيم نفسه الفعل و نشره ضمن خطابه السياسي .

ومن هنا فان اختزال المسألة اما في “حرية التعبير” أو في كونه امر “خاص بالدولة ” و الصمت حكمة ،،فيصبح تبسيط خطير للمسألة .

فمن حق أي حزب في العلم ان يعبر وفق توجهه و اديولوجيته و لكن من حقنا أن نعارض و أن نستنكر و أن ندين أي تصرف ،عندما يمس سواء حزب أو هيئة أو حتى جهة رسمية لرمز من رموزنا الوطنية و هويتنا المشتركة

وهذه هي الديقراطية في ابهى تجلياتها

فالمشكلة الأساسية ليست أن معظم الأحزاب لم تبالي ،و أغلب الجمعيات و الهيئات لم تهتم .. وانما السؤال الاعمق و القابل للنقاش : هل أصبح اتخاذ موقف في القضايا الوطنية يحتاج الى حسابات اللحظة السياسية ؟

هل تنتظر الحكومة الإشارة للرد ؟ وهل ينتظر الحزب تفاعل الحكومة ؟ و تنتظر الهيئات و الجعيات مواقف رسمية ؟؟ يعني من اين ننتظر الإشارة ؟؟  ومن ينتظر من ؟؟

هنا تحديدا نقول : الدفاع عن الهوية الوطنية لا يحتاج الى اذن  و لا الى ترخيص و لا الى ضوء أخضر من أحد.

لا يحتاج أي حزب الى اذن كي يقول ان علم بلاده و رمز وطنه  خط أحمر.

لا تحتاج جمعية او هيئة او فيدرالية او نقابة الى تعليمات حتى تتدين خطاب الكراهية الموجه ضد المغرب و المغاربة

و لا يحتاج المثقف و الصحفي و الخطيب و الداعية و الفنان و المؤثر و الفاعل و المحامي و الرياضي و الأستاذ وطالب .. الى انتظار بلاغ رسمي كي يساهم في مناقشته و يعيد تفصيله و نشره و شرحه و قراءته و تداوله ،،،

فالوطنية التي لا تتحرك الا بعد صدور التعليمات او الإشارات تفقد جزءا من معناها ،و الخطير أنها مع الاستمرار تتشكل فكرة أن الدفاع عن الهوية و الوطنية شأن خاص بالدولة ،وهنا نفتح باب الانسلاخ عن الهوية الوطنية .

فالوطنية التي نمارسها فقط عندما يفوز المنتخب الوطني ،تملاء الشوارع بالاعلام أو الوطنية الصاخبة التي تتحول الى التخوين و توزيع شهادات الولاءات ، ووطنية الاحتفالات ،،،،ثم يصبح العلم نفسه رمز هذه الوطنية شأنا ثانويا أو خاصا عندما يمزق في سياق عدائي ،فالمسالة فعلا تحتاج فعلا الى شيء من المراجعة.

وبالتالي فلا نقول ان من لم يصدر بيانا اقل وطنية ممن أصدره ، ولا نعتقد مطلقا أن حب الوطن يقاس بعدد التدوينات و نشر الصور و اصدار البلاغات ،،بل نجزم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير .

فلا بد أن نستشعر ان لنا مؤسسات سياسية و مدنية تمتلك قدرا من الحس الوطني المستقل و تعرف أن بينها رغم اختلافاتها ،و تباين مواقفها أن لها أرضية مشتركة لا ينبغي ان تضيع وسط  أي حسابات ظرفية.

فيمكن للأحزاب ان تتصارع في هذه المرحلة حول الانتخابات ،كما يمكن للحكومة و المعارضة ان تختلف حول تدبير السياسيات الاجتماعية و التشريعية ،ويمكن للحقوقي أن ينتقد سياسة الدولة و للمحامي ان يطعن او يتوقف عن العمل ضد قوانينها و للصحفي ان يسائل مؤسساتها وللموظف ان يحتج على مراسيمها ..

كل ذلك طبيعي ، بل ضروري ، لكن ما ينبغي أن يبقى لكونه مرتبط بالهوية و استمرارية الدولة و مؤسساتها ، أن تبقى ثوابت و ركائز الدولة التي تجمع الجميع.

و العلم واحد من هذه الركائز.

لذلك فان السؤال بعد واقعة مدريد لم يعد فقط : لماذا قام متطرفون اسبان بتمزيق العلم المغربي ؟ فهؤلاء عبروا عن موقفهم و عن تطرفهم و الكل يعرف خلفيتهم السياسية و الاديولوجية .

لكن السؤال الذي يعنينا أكثر هو سؤال داخلي :

لماذا لم نشعر جميعا بأن الامر يستحق موقفا ؟

ولماذا احتجنا أن نسال أصلا : أين الأحزاب ؟؟ و اين الجمعيات و الهيئات ؟؟ و اين الشخصيات التي ظلت تقدم نفسها كمطبلة  للوطن ومدافعة عن الوطنية ؟؟

ربما لأننا اعتدنا في بعض الأحيان أن ننتظر الإشارة حتى في الأمور التي لا ينبغي أن تحتاج الى إشارة.

بينما بعض المواقف ،خاصة المرتبطة بالهوية الوطنية و توابث المملكة و مقدساتها يفترض ان تكون تلقائية وعفوية ونابغة من لاشعور .

لان الوطنية لا تحتاج الى اشارة أو ضوء أخضر.

وعلى سبيل الختم ،فنحن ان كنا نتفهم عدم صدور الرد الرسمي باعتباره ربما يدخل من باب الحكمة و عدم الانجرار وراء استفزازات صادرة عن تنظيم هامشي لا يعبر عن الموقف الرسمي لدولته ، وهو اعتبار كما قلنا نتفهمه وله اعتبارات دبلوماسية و سياسية مفهومة ، لكن لا ينبغي ألا نخلط بين صمت الجهات الرسمية الممثلة للدولة المحكوم بحسابات العلاقات الدولية و الاختيارات الاستراتيجية وبين صمت الأحزاب و الهيئات و النخب و المجتمع و الاعلام …

فالمجتمع لا يحتاج الى بيان دبلوماسي او رسمي  كي يعبر بهدوء عن رفض إهانة احد رموزه الوطنية.

و الحكمة ان اقتضت ان لا ترد الدولة و الجهات الرسمية، فهذا لا يعني أن يصمت الجميع ، لأن بين التصعيد و الصمت مساحة واسعة اسمها الموقف .

 

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...