نفي العثماني يحاصر رواية الريسوني ويضع مصداقيته على المحك

كان يمكن لسليمان الريسوني أن يقدم قراءته لتجربة الإسلاميين في الحكم، وأن ينتقد سعد الدين العثماني وحزبه بأقصى ما تسمح به حرية الرأي. لكنه اختار أن يغادر مساحة التحليل إلى رواية واقعة محددة: اتصال هاتفي، مستشار ملكي، كلام منسوب إليه، ورئيس حكومة سابق قيل إنه تلقى ذلك الاتصال. هنا لم نعد أمام رأي سياسي، بل أمام خبر محدد يمكن التحقق منه.

وجاء رد العثماني مباشرا وقاطعا. الرجل الذي وضعته الرواية في الطرف الآخر من الهاتف وصف ما قيل بأنه «محض افتراء»، ونفى أن يكون قد سمع من مستشار ملكي الكلام المنسوب إليه. بهذا النفي تغيرت طبيعة القضية بالكامل، وأصبحت الرواية نفسها، لا تجربة العثماني الحكومية، هي موضوع المساءلة.

ليس المطلوب منح العثماني شهادة مطلقة في الصدق، كما أن القضية لا تتعلق بالدفاع عنه أو عن حزب العدالة والتنمية. لكن عندما ينفي الشخص المعني واقعة نسبت إليه بهذه الصراحة، فإن صاحب الرواية يصبح أمام مسؤولية مهنية لا يمكن تجاوزها بالثقة في مصدر مجهول. حماية المصدر حق صحافي أصيل، لكنها لا تحول كل ما يقوله إلى حقيقة محصنة من التدقيق.

والأغرب أن الريسوني لم يكن محتاجا أصلا إلى هذه الحكاية حتى ينتقد تجربة الإسلاميين في الحكم. فهناك سجل سياسي كامل من القرارات والتحالفات والتصريحات والتصويتات والنتائج الانتخابية، وهي مادة كافية لبناء أقسى نقد سياسي. لكن إدخال مكالمة بهذه التفاصيل إلى قلب الرواية نقل النقاش من السياسة إلى صدقية الخبر، وحول ما كان يراد له أن يكون لحظة مثيرة في الحكاية إلى نقطة ضعف مركزية فيها.

وهنا يظهر الفارق بين صناعة الحكاية وصناعة الخبر. المنصات الرقمية تكافئ الإثارة والعبارات القوية والتفاصيل التي تشد المتلقي، لكن الصحافة تخضع لمعيار آخر. المشاهدات لا تصحح معلومة، والنبرة الواثقة لا تمنح الرواية حصانة، والقسم لا يقوم مقام التحقق. قد تنجح الحكاية في صناعة لحظة رقمية صاخبة، لكنها قد تخسر الكثير عندما تصطدم بأول نفي مباشر.

وهذا هو المأزق الحقيقي الذي يواجه الريسوني اليوم. القضية لم تعد فيما إذا كان مقتنعا بما قاله، بل في الطريقة التي قدم بها رواية خطيرة إلى الجمهور باعتبارها واقعة. فالصحافي الذي يمارس حق مساءلة الآخرين مطالب بدوره بأن يقبل مساءلة ما ينشره، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأقوال منسوبة إلى أشخاص ومؤسسات.

المصداقية في الصحافة ليست رتبة يكتسبها صاحبها مرة واحدة ثم يحتفظ بها إلى الأبد، وليست مكافأة تمنح بسبب تاريخ مهني أو موقف سياسي أو صورة معارضة. إنها رصيد يتراكم مع كل خبر يصمد أمام الاختبار، ويمكن أن يتآكل عندما تختلط الرواية بالواقعة والتقدير بالمعلومة والحكي بالتحقق.

لذلك فإن أخطر ما خلفه نفي العثماني ليس فقط الجدل حول مكالمة هاتفية، بل الشك الذي يمكن أن يمتد إلى ما سيأتي بعدها. فالصحافي يعيش، في نهاية المطاف، من الثقة التي يضعها الجمهور في كلمته. وإذا اهتزت تلك الثقة في واقعة محددة، فإن الروايات اللاحقة لن تستقبل بالسهولة نفسها.

كان يمكن أن يبقى النقاش سياسيا حول تجربة الإسلاميين، فصار نقاشا مهنيا حول طريقة صناعة الرواية. وكان يمكن أن يكون العثماني موضوع المساءلة، فإذا بنفيه ينقل صاحب الرواية نفسه إلى موقع المساءلة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...