من يقف وراء أحداث سبتة المحتلة؟ كيف أعاد تقرير إسباني رسم حقيقة موجة العبور الجماعي بعيدا عن الاتهامات المتسرعة
الكاتب: رضوان الله العطلاتي
في خضم الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة أواخر شهر يوليوز 2026، لم تستغرق الاتهامات الموجهة إلى المغرب سوى ساعات قليلة حتى انتشرت على نطاق واسع داخل عدد من المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث جرى تقديم ما وقع على أنه عملية مدبرة من طرف الدولة المغربية، أو وسيلة للضغط السياسي على إسبانيا، قبل أن تبدأ الوقائع والمعطيات التي ظهرت تباعاً في رسم صورة مختلفة وأكثر تعقيداً، كشفت أن ما حدث لم يكن بتلك البساطة التي حاولت بعض القراءات اختزالها فيها.
ومع اتساع دائرة الجدل، برزت أهمية التقارير والتحليلات التي اعتمدت على تتبع النشاط الرقمي وتحليل المعطيات الميدانية، وفي مقدمتها تقرير إسباني استند إلى تقنيات الاستخبارات مفتوحة المصادر وتحليل نشاط منصات التواصل الاجتماعي، حيث خلص إلى أن التعبئة التي سبقت موجة العبور بدأت قبل أسابيع من وقوعها، عبر حملة إلكترونية واسعة انتشرت على عدد من المنصات الرقمية وتطبيقات التراسل الفوري، مستفيدة من الانتشار السريع للمحتوى ومن سهولة إعادة تداوله بين آلاف المستخدمين.
وبحسب المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام دولية، فإن التقييم الإسباني لم ينسب تنظيم عملية العبور الجماعي إلى الدولة المغربية، ولم يقدم ما يفيد بوجود قرار رسمي أو تخطيط مؤسساتي يقف وراء الأحداث، بل ركز على عوامل أخرى، في مقدمتها انتشار معلومات مضللة، وتأويلات خاطئة لقرار قضائي إسباني، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر لهذه الأجواء من أجل دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى التوجه نحو المنطقة الحدودية. وهذه الخلاصة تكتسي أهمية خاصة لأنها تصدر عن قراءة إسبانية للأحداث، لا عن موقف رسمي مغربي أو رواية إعلامية محلية.
وقد بينت التحقيقات الرقمية أن الحملة التي سبقت الأحداث لم تكن مقتصرة على حسابات داخل المغرب، بل شاركت فيها مجموعات وحسابات تنشط من عدة دول، واستُخدمت خلالها مقاطع فيديو ورسائل قصيرة ومنشورات تتضمن معلومات حول مسارات الوصول وأماكن التجمع وتوقيت التحرك، إلى جانب مزاعم متكررة توحي بأن الوصول إلى سبتة سيحول دون الإعادة الفورية، وأن الطريق نحو أوروبا أصبح أكثر سهولة، وهي رسائل تبين لاحقاً أنها قامت على تأويلات غير دقيقة للواقع القانوني الإسباني.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته شبكات الاتجار بالبشر، التي وجدت في هذه الإشاعات فرصة جديدة لاستقطاب مزيد من الأشخاص الباحثين عن الهجرة، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى وسيلة للتعبئة والتنسيق ونشر الأمل الزائف، بدل أن تكون مجرد فضاء للتواصل، وهو ما يفسر السرعة التي انتشرت بها الدعوات إلى التوجه نحو سبتة خلال فترة وجيزة.
وفي مقابل هذه الوقائع، استمرت بعض الأصوات السياسية والإعلامية في الترويج لرواية تحمل المغرب مسؤولية تدبير الأحداث، غير أن الفارق كبير بين توجيه اتهام سياسي وبين إثباته بالأدلة. فالحديث عن وجود قصور أو تأخر في التعامل مع موجة بشرية مفاجئة يختلف جذرياً عن الادعاء بوجود قرار رسمي بتنظيمها، وهو ادعاء يحتاج إلى وثائق أو أوامر أو معطيات استخباراتية مباشرة، وهي عناصر لم يكشف عنها التقرير الإسباني الذي استندت إليه عدة وسائل إعلام دولية.
ويزداد هذا المعطى أهمية إذا استحضرنا أن الأحداث تزامنت مع احتفالات المملكة بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، وهي مناسبة وطنية تحظى بمتابعة داخلية ودولية واسعة، وتحرص خلالها الدولة على إبراز صورة الاستقرار والمؤسسات والإنجازات. ومن الصعب منطقياً وسياسياً تصور أن تختار أي دولة هذا التوقيت بالذات لإحداث أزمة حدودية أو خلق مشاهد من الفوضى من شأنها أن تحجب رسائل مناسبة وطنية بهذا الحجم، أو أن تقدم للعالم صوراً توحي بأن أبناءها يتدفقون نحو الهجرة في لحظة يفترض أنها لحظة احتفاء بالوطن ومكتسباته.
كما أن خصوصية مدينة سبتة نفسها تفرض قراءة مختلفة للأحداث. فمن المنظور المغربي، سبتة مدينة مغربية محتلة، وليست مدينة أوروبية تقع في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. لذلك فإن ما وقع لا يشبه موجات الهجرة التقليدية التي تعبر البحر نحو السواحل الأوروبية، بل يتعلق بالتحرك نحو منطقة متاخمة للتراب المغربي، وهو معطى جغرافي وسياسي لا يمكن تجاهله عند تحليل ما جرى، حتى وإن كانت المدينة، وفق الإدارة الإسبانية، تمثل جزءاً من حدود الاتحاد الأوروبي.
وإذا كان من حق أي طرف أن يطرح تساؤلات حول كيفية تدبير الساعات الأولى من هذه الأزمة، فإن تحويل تلك التساؤلات إلى اتهام مباشر للدولة المغربية بتخطيط العملية أو تنظيمها يبقى استنتاجاً يتجاوز ما توصلت إليه المعطيات المنشورة. فالفرق كبير بين مناقشة أداء ميداني في ظرف استثنائي، وبين الادعاء بوجود قرار سياسي أو أمني يقف وراء تحرك عشرات الآلاف من الأشخاص. وحتى الآن، لم تقدم التقارير التي تناولت الموضوع دليلاً يثبت أن مؤسسات الدولة المغربية أصدرت تعليمات بتنظيم موجة العبور أو سهلتها بشكل متعمد، بينما ركزت أغلب القراءات الاستخباراتية والإعلامية على الدور الذي لعبته الحملات الرقمية، والإشاعات، وشبكات الاتجار بالبشر في صناعة المشهد.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ إن عدداً من الروايات التي انتشرت خلال الساعات الأولى للأحداث بُني على الانطباع أكثر مما بُني على الوقائع. فقد جرى تداول مقاطع قصيرة وصور مجتزأة على نطاق واسع، وأرفقت بتعليقات تقدم استنتاجات جاهزة، قبل أن تبدأ الحقائق في الظهور تباعاً. ومع تقدم التحقيقات، اتضح أن المشهد أكثر تعقيداً، وأن تفسيره لا يمكن أن يقوم على فرضية واحدة، بل على تداخل عوامل اجتماعية ورقمية وأمنية وقانونية استغلتها شبكات منظمة لتحقيق أهدافها.
ولعل أبرز ما كشفته هذه الأزمة هو التحول الكبير الذي عرفته أساليب تنظيم الهجرة غير النظامية. فبعدما كانت شبكات التهريب تعتمد في السابق على الوسطاء الميدانيين والاتصالات المباشرة، أصبحت اليوم تستثمر بكثافة في الفضاء الرقمي، مستفيدة من الانتشار السريع للمحتوى، ومن قدرة منصات التواصل الاجتماعي على الوصول إلى أعداد كبيرة من الأشخاص في وقت وجيز. ولم تعد الإشاعة مجرد خبر كاذب، بل تحولت إلى وسيلة للتعبئة، وإلى أداة تدفع أفراداً كثيرين إلى اتخاذ قرارات مصيرية اعتماداً على معلومات غير دقيقة أو وعود لا تستند إلى أي أساس قانوني.
كما أن القراءة الهادئة للأحداث تكشف أن جزءاً مهماً من الذين اندفعوا نحو سبتة كانوا يعتقدون أن وصولهم إلى المدينة سيمنحهم تلقائياً فرصة العبور إلى أوروبا أو الحصول على وضع قانوني يحول دون إعادتهم، وهو اعتقاد غذته منشورات ومقاطع فيديو ورسائل جرى تداولها بكثافة قبل الأحداث. غير أن الواقع أثبت بعد ذلك أن هذه الوعود لم تكن صحيحة، وأن أعداداً كبيرة عادت إلى المغرب في إطار التنسيق القائم بين السلطات المغربية والإسبانية، الأمر الذي يؤكد أن الرواية التي سوقت لوجود “طريق مفتوح” نحو أوروبا لم تكن سوى جزء من حملة تضليل واسعة استغلت آمال آلاف الأشخاص.
وفي خضم هذا الجدل، برز جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التعاون الذي استمر بين الرباط ومدريد بعد اندلاع الأزمة. فالتنسيق الأمني بين البلدين لم يتوقف، بل استمر من أجل احتواء الوضع وإعادة الهدوء إلى المنطقة، كما استمرت عمليات إعادة عدد كبير من العابرين وفق الآليات المعمول بها بين الطرفين. وهذا المعطى ينسجم مع طبيعة العلاقات الأمنية القائمة بين البلدين في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، ويصعب التوفيق بينه وبين الرواية التي تزعم أن الدولة المغربية كانت هي من خططت للأحداث، لأن من غير المنطقي أن تعمل دولة على تنظيم أزمة، ثم تنخرط في الوقت نفسه في احتوائها والتعاون لإنهائها.
كما أن الأحداث أعادت إلى الواجهة النقاش الأوروبي حول الهجرة، ليس فقط في علاقتها بالمغرب، بل أيضاً في علاقتها بالسياسات الأوروبية نفسها. فقد اعتبرت أصوات سياسية وإعلامية داخل أوروبا أن انتشار الإشاعات المرتبطة ببعض القرارات القضائية، إلى جانب نشاط شبكات الاتجار بالبشر، والرسائل المتناقضة بشأن سياسات الهجرة، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة شجعت على التحرك الجماعي. وهو ما يعني أن الأزمة لم تكن نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل عدة عناصر تزامنت في وقت واحد.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن يحجب هذا التحليل حقيقة أن الهجرة غير النظامية تظل قضية إنسانية معقدة، ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، ولا يمكن اختزالها في بعد أمني فقط. فالكثير من الشباب الذين انجرفوا وراء الإشاعات كانوا يبحثون عن أمل في مستقبل أفضل، قبل أن يجدوا أنفسهم ضحية لشبكات استغلت أوضاعهم، وروجت لهم معلومات لا تعكس حقيقة الواقع القانوني أو الميداني.
وبعيداً عن المزايدات السياسية، تبرز هذه الأزمة درساً بالغ الأهمية، يتمثل في أن معركة مكافحة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على مراقبة الحدود، بل أصبحت تبدأ من مراقبة حملات التضليل الرقمي، وتجفيف منابع شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الانسياق وراء الأخبار غير الموثوقة. فقد أثبتت أحداث سبتة أن هاتفاً ذكياً، ومقطع فيديو مضللاً، ورسالة متداولة في مجموعة مغلقة، قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من أي وسيلة تقليدية في دفع آلاف الأشخاص إلى التحرك خلال ساعات قليلة.
وإذا كانت بعض الأصوات قد سارعت منذ الساعات الأولى إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب، فإن تطور الأحداث أظهر أن المشهد كان أكثر تعقيداً من أن يختزل في رواية سياسية واحدة. فالتقييمات التي استندت إلى تحليل النشاط الرقمي لم تتحدث عن أوامر رسمية أو تخطيط مؤسساتي، بل ركزت على حملة إلكترونية واسعة استغلت منصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة حول فرص الوصول إلى سبتة وإمكانية البقاء بها، وهو ما منح شبكات الاتجار بالبشر بيئة مثالية لاستقطاب مزيد من الأشخاص ودفعهم إلى التوجه نحو المنطقة الحدودية.
وتكشف هذه المعطيات أن التكنولوجيا أصبحت اليوم أحد أبرز التحديات الأمنية المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد شبكات التهريب تعتمد فقط على الوسطاء الميدانيين أو الوعود المباشرة، بل باتت توظف مقاطع الفيديو القصيرة والبث المباشر والمجموعات المغلقة والخرائط الرقمية لإيصال رسائلها إلى آلاف الأشخاص في وقت قياسي. ولم يكن الهدف مجرد نشر خبر، بل خلق حالة من الاقتناع الجماعي بأن فرصة استثنائية قد أصبحت متاحة، وأن الوصول إلى سبتة سيقود تلقائياً إلى مستقبل أفضل داخل أوروبا، وهي صورة أثبتت الوقائع لاحقاً أنها لا تعكس الحقيقة القانونية أو الميدانية.
كما أن قراءة الأحداث بعيداً عن الانفعال السياسي تبرز أن الذين توجهوا نحو سبتة لم يكونوا جميعاً من جنسية واحدة، بل ضمت الموجة مهاجرين من جنسيات مختلفة، وهو ما يؤكد أن الظاهرة تجاوزت الإطار الوطني الضيق، وأصبحت جزءاً من دينامية إقليمية تستغلها شبكات عابرة للحدود، تبحث عن الربح قبل أي اعتبار آخر. ولهذا فإن تفسير ما جرى من خلال عامل واحد أو جهة واحدة لا ينسجم مع طبيعة الوقائع التي كشفت عنها التحقيقات.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار التنسيق بين المغرب وإسبانيا بعد اندلاع الأزمة يمثل معطى لا يمكن تجاهله عند تقييم ما حدث. فقد واصل البلدان العمل المشترك من أجل احتواء الوضع، وإعادة الهدوء إلى المنطقة الحدودية، واستكمال إجراءات إعادة أعداد كبيرة من العابرين، في إطار التعاون الأمني القائم بين الجانبين منذ سنوات في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود. وهذا التعاون الميداني يعكس استمرار قنوات التنسيق بين الرباط ومدريد حتى في أصعب الظروف، ويؤكد أن معالجة الأزمة تمت عبر التواصل المباشر، وليس عبر منطق التصعيد.
وفي المقابل، فتحت الأحداث نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا نفسها بشأن تأثير الإشاعات الرقمية، ومدى جاهزية الأجهزة المختصة لرصد حملات التعبئة الإلكترونية قبل تحولها إلى تحركات ميدانية واسعة. كما أثارت تساؤلات حول كيفية استغلال بعض القرارات القضائية أو تأويلها خارج سياقها القانوني، وتحويلها إلى رسائل مختصرة يجري تداولها على أنها حقائق مطلقة، بما يؤدي إلى تضليل أعداد كبيرة من الأشخاص الباحثين عن فرصة للهجرة.
ولا يختلف اثنان على أن الهجرة غير النظامية تبقى قضية إنسانية معقدة، ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، غير أن استغلال هذه الأوضاع من قبل شبكات منظمة يضيف إليها بعداً أكثر خطورة. فحين تتحول المعاناة الإنسانية إلى وسيلة لتحقيق أرباح غير مشروعة، يصبح التصدي لهذه الشبكات مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية، وتستدعي تعاوناً أمنياً وقضائياً ورقمياً بين مختلف الدول المعنية.
ولعل الدرس الأبرز الذي أفرزته أحداث سبتة هو أن معركة اليوم لم تعد تقتصر على مراقبة الحدود أو تعزيز الوسائل الميدانية، بل أصبحت تبدأ من الفضاء الرقمي، حيث يمكن لمنشور مضلل أو مقطع فيديو أو رسالة متداولة داخل مجموعة مغلقة أن تؤثر في قرارات آلاف الأشخاص خلال ساعات قليلة. وهو ما يجعل مواجهة التضليل الرقمي، إلى جانب ملاحقة شبكات الاتجار بالبشر، جزءاً أساسياً من أي استراتيجية فعالة للحد من الهجرة غير النظامية وحماية الأرواح من الوقوع ضحية للأوهام والوعود الكاذبة.
وفي خضم هذا الجدل، تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى التمييز بين التحليل السياسي والنتائج التي تستند إلى الأدلة. فإبداء الرأي في كيفية تدبير الأزمة أو تقييم أداء هذا الطرف أو ذاك يبقى أمراً مشروعاً في إطار النقاش العمومي، غير أن تحويل الاتهامات إلى حقائق نهائية دون سند موثق لا يخدم البحث عن الحقيقة، بقدر ما يكرس الاستقطاب ويغذي حملات التضليل التي أصبحت بدورها جزءاً من الأزمات المعاصرة.
لقد بينت هذه الأحداث أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد تحرك بشري نحو الحدود، بل أصبحت ظاهرة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الجريمة المنظمة، والإشاعة مع الواقع، والمعلومة المضللة مع القرار الفردي. وما كان يحتاج في الماضي إلى أسابيع من التنسيق والتخطيط، أصبح اليوم قابلاً للتنفيذ خلال ساعات قليلة بفضل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي، وهو ما يفرض على الدول تطوير آليات جديدة للرصد المبكر، وتعزيز التعاون في مواجهة الشبكات التي تستغل الفضاء الإلكتروني لاستدراج الضحايا.
كما أبرزت الأزمة أن شبكات الاتجار بالبشر لا تتردد في استغلال أي ظرف سياسي أو اجتماعي أو قانوني من أجل الترويج لروايات تمنح الأمل الزائف لآلاف الأشخاص، بينما تكون النتيجة في كثير من الأحيان تعريضهم لمخاطر جسيمة، سواء أثناء محاولات العبور أو بعد الوصول إلى وجهاتهم. ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تستوجب أيضاً تعزيز الوعي المجتمعي، والتصدي للمحتوى المضلل، وملاحقة الجهات التي تقف وراء حملات التحريض والتضليل الرقمي.
وفي المقابل، تؤكد المعطيات التي ظهرت بعد الأحداث أن تحميل المسؤولية للدولة المغربية عن تنظيم موجة العبور لم يستند، في حدود ما كشفته التقارير المنشورة، إلى أدلة تثبت وجود قرار رسمي أو تخطيط مؤسساتي يقف وراء ما وقع. بل إن القراءة التي قدمتها التقييمات المستندة إلى تحليل النشاط الرقمي سلطت الضوء على دور الإشاعات، وتأويل بعض القرارات القضائية الإسبانية خارج سياقها، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والحملات الإلكترونية التي سبقت التحركات الميدانية، باعتبارها عوامل رئيسية في تفسير ما حدث.
ولا يعني ذلك إغلاق باب النقاش أو الادعاء بأن جميع تفاصيل الأزمة أصبحت محسومة، فمثل هذه الملفات تبقى بطبيعتها معقدة وقابلة لاستكمال التحقيقات كلما ظهرت معطيات جديدة. غير أن احترام قواعد العمل الصحفي يقتضي الفصل بين ما تؤيده الأدلة وما يبقى في دائرة الفرضيات أو المواقف السياسية، لأن الصحافة المهنية لا تبني استنتاجاتها على الانطباعات، وإنما على الوقائع الموثقة والقرائن القابلة للتحقق.
ومن هذا المنطلق، فإن أحداث سبتة تقدم درساً يتجاوز حدود الأزمة نفسها؛ إذ تكشف أن الحروب الإعلامية أصبحت لا تقل تأثيراً عن الأحداث الميدانية، وأن معركة تشكيل الرأي العام تبدأ أحياناً قبل وقوع الحدث نفسه، عبر منشورات ورسائل ومقاطع فيديو قادرة على توجيه السلوك الجماعي خلال فترة وجيزة. وهو ما يجعل التحقق من المعلومات، ومساءلة الروايات المتداولة، والاحتكام إلى الأدلة، مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والباحثين وصناع القرار.
وتبقى الحقيقة التي تدعمها المعطيات المنشورة حتى الآن واضحة: إن ما شهدته سبتة كان نتيجة تداخل عوامل رقمية وأمنية واجتماعية استغلتها شبكات منظمة للتأثير في آلاف الأشخاص، بينما لم تقدم التقارير التي استندت إلى تحليل الوقائع دليلاً يثبت أن الدولة المغربية كانت الجهة التي خططت أو أدارت موجة العبور الجماعي. وبين الاتهامات المتسرعة والنتائج المستندة إلى التحقيق والتحليل، تظل الوقائع وحدها هي المعيار الذي ينبغي أن يستند إليه أي تقييم موضوعي لما حدث، بعيداً عن المزايدات السياسية أو الأحكام المسبقة.

