شهدت السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لمزاعم تربط استهلاك حليب البقر بمخاطر صحية متعددة، وهو ما انعكس على تراجع الإقبال عليه لصالح بدائل نباتية مثل حليب الشوفان والصويا واللوز. غير أن معطيات علمية حديثة أعادت فتح النقاش من زاوية مختلفة.
فمنذ قرون طويلة، شكّل الحليب بمختلف أنواعه جزءاً أساسياً من النظام الغذائي للإنسان، بفضل غناه بالعناصر الضرورية كالبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن. ومع ذلك، شهدت بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، انخفاضاً في استهلاك هذه المادة، حيث تراجع معدل الاستهلاك الفردي خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.
وفي محاولة لحسم الجدل، أجرى فريق بحثي بقيادة اختصاصي التغذية هانز هاونر من جامعة ميونيخ التقنية تحليلاً شاملاً لمجموعة من الدراسات العلمية المنشورة ما بين 2014 و2024، تناولت العلاقة بين استهلاك الحليب ومجموعة من الأمراض الشائعة، من بينها أمراض القلب والسكري والسرطان.
وكشفت نتائج هذا التحليل، المنشورة في المجلة الأوروبية للتغذية السريرية، أن نسبة ضئيلة فقط من الدراسات ربطت الحليب بزيادة المخاطر الصحية، في حين لم تُظهر نسبة كبيرة منها أي علاقة سلبية واضحة. بل إن جزءاً مهماً من النتائج أشار إلى ارتباط استهلاك الحليب ومنتجاته بانخفاض احتمالات الإصابة بعدد من الأمراض.
وأبرزت الدراسة أن الأشخاص الذين يدرجون الحليب ومشتقاته ضمن نظامهم الغذائي قد يكونون أقل عرضة للإصابة ببعض أنواع السرطان، مثل سرطان القولون والثدي، إضافة إلى أمراض القلب والشرايين. كما لا توجد دلائل قوية تدعم فرضية ارتباط الحليب بزيادة الوزن أو السمنة، بل تشير بعض النتائج إلى احتمال انخفاض خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني لدى مستهلكيه.
ورغم ذلك، شدد الباحثون على أن هذه النتائج تظل ذات طابع إحصائي، ولا تثبت بشكل قاطع علاقة سببية مباشرة، لكنها في المقابل تضعف الادعاءات التي تصف حليب البقر بأنه مضر بالصحة.
وفي هذا السياق، توصي الجمعية الألمانية للتغذية باستهلاك كميات معتدلة من الحليب ومشتقاته، بما يعادل نصف لتر يومياً، سواء عبر شربه أو من خلال منتجات مثل الجبن والزبادي، مع ترك حرية الاختيار للأفراد وفق قناعاتهم الصحية أو البيئية.


