العالم 24../ أشبه شخصية بالشيخ يوسف القرضاوي في التاريخ الإسلامي، في حركته وديناميته وانخراطه في تحديات واقع المسلمين، موسوعية وفقها وسياسة وتربية وفي جدلية مواقفه، هو شيخ الإسلام ابن تيمية. كان القرضاوي قد أدان هجمات 11 أيلول/سبتمبر وتفجيرات بالي، وانتقد تحطيم حركة طالبان تماثيل بوذا في أفغانستان. وندد بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وأفتى بوجوب مقاومة الجنود الأمريكيين.
ووصف التفجيرات التي يقوم بها مدنيون فلسطينيون داخل إسرائيل بأنها استشهادية. واتخذ مواقف بالغة الصرامة ضد عدد من الزعماء العرب، عقب اندلاع الثورات العربية عام2011. وواجه مسار التطبيع بكل قوة.
إن الكثيرين يهتمون أثناء تقييم مسيرة العلماء بما خلفوا من تراث علمي. غير أن عملية التقييم لا تكتمل حتى يكون بمقدورنا مشاهدة آثار العلماء داخل مجتمعاتهم، ودرجة توجيههم لحركة الناس. وإلى أي حد كانوا سببا في نشوء موجات فكرية بسبب أفكارهم واجتهاداتهم. وهذا الأمر هو ما يميز بين مستويات العلماء والمفكرين.
تحويل الفقه إلى وعي اجتماعي
اعتنق الشيخ القرضاوي الفقه بمفهومه الواسع والأعمق، وهو تحويل الفقه والفتوى إلى وعي اجتماعي وسياسي، وحاضنة تربوية لأجيال من المسلمين. وأثبت أن عالما واحدا بإمكانه أن يقود موجة صحوة جيل بأكمله، وأن باستطاعته أن يكون تنظيما عالميا وحده، وأن المقتنعين بفكره أكبر من أن يضمهم تنظيم أو جماعة. حيث ربطته بالناس في المنطقة صلة روحية وعلمية، لا تنظيمية أو حركية فحسب. لقد كان أنجح شاب إسلامي تمكن من تجاوز قيود التنظيم إلى عالمية الدعوة، دون أن يتنكر لتاريخه وماضيه.
كان الشيخ القرضاوي عالما مؤثرا في المسلمين من الناحية الاجتماعية، وصاحب مرحلة فقهية وفكرية وحركية كاملة. وكان موجها لا مواجها للمجتمعات، وخاطبت أفكاره المجتمعات لا المجموعات. ومن الناحية الموضوعية كان القرضاوي أكثر تأثيرا من حسن البنا كما سأشرح لاحقا، ومن سيد قطب الذي أثر في المجموعات، دون أن يصل مداه إلى المجتمعات، وهذا فرق شاسع. ذلك أنه لم يدخل علماء كثر من أقران الشيخ القرضاوي البيوت في المنطقة العربية وفي الغرب. لكنه دخلها لا كفقيه مجيب على أسئلة الناس واستفساراتهم فحسب، بل كرمز ديني واجتماعي لمرحلة زمنية كاملة منذ ستينيات القرن الماضي، يعالج المشكلات الاجتماعية والسياسية والدينية.
أثبت القرضاوي أن الفقه دون الفكر نقصان، وأنهما معا الصورة المثالية لشخصية المجتهد في الإسلام. اجتهد الشيخ يوسف في الفقه مثلما اجتهد في الفكر، وتوزعت إنتاجاته كلا المجالين. وأزعم أن شخصيته الفكرية كانت في رأيي أكثر تأثيرا في المنطقة من شخصيته الفقهية. وأن ما صنع موجة الوسطية والصحوة الإسلامية كان في أغلبه وأكثره القرضاوي المفكر. إن مزجه الفكر بالفقه رسالة إلى المشتغلين بالفقه حاليا، المتناسين للفكر وأهميته.
لقد فاق أقرانه فقها كما فاقهم فكرا. ولا يكسب الفقيه عمقا حتى يكسب فكرا، يواجه به تيارات وتحديات عصره. إن بلوغ مقام المرجعية التي نالها القرضاوي، لا تتأتى بامتلاك الفقه وحده، بل بالقدرة على بناء الجسور مع المجتمعات. إن القبول الاجتماعي به لدى الناس تطلب منه وقتا وخبرة تراكمية، في كيفية النفاذ إلى وعي شرائح واسعة في العالم العربي والإسلامي.
المصدر القدس

