كتاب جديد يتعقب أثر الرمال المتحركة للبوليساريو من الحلم إلى الغبار

العالم24

يرسم الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، وفق قراءة مغايرة تخرج عن المعتاد في كتابه الجديد، الذي صدرت طبعته الثالثة عن منشورات “النورس”، مسارات ملتبسة لجبهة البوليساريو: من الحلم إلى الغبار، من التأسيس إلى ما أسماه “الصعود نحو الهاوية”، في ظل تحولات دولية جيو إستراتيجية تلقي بظلالها على أقدم صراع في القارة الإفريقية وُرث عن الحرب الباردة، ويواجه من خلال اقتفاء مصادر ووثائق ومذكرات: كيف تحولت البوليساريو من حركة تحررية بأطر مغربية جلها درس في الجامعات المغربية، وانحدر العديد منها من جنود آباء مقاومي “جيش التحرير”، إلى حركة انفصالية في لحظة دقيقة من تحرير المغرب للصحراء؟، وما هي الأطراف الحقيقية في أزمة الصحراء الغربية؟ و”بوليساريو الداخل” هل هو حقيقة أم مجرد صناعة إعلامية؟، وما العلاقة بين “بوليساريو الداخل” وبوليساريو الخارج؟ وكيف يؤدي المغرب فاتورة كسل القانون الدولي في تحديد مفاهيم الوحدة وتقرير المصير؟… أسئلة كثيرة يحاول هذا الكتاب مقاربتها من خلال وقائع وأحداث، مواقف وتصريحات.

في التقديم الذي وشح به السفير المغربي محمد ماء العينين، ابن الصحراء الخبير بجغرافيا رمالها المتحركة التي ظل في قلب التباساتها، صدر الطبعة الثالثة لكتاب الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس الصادر عن منشورات “النورس”، نقرأ: “القيمة الفكرية لكتاب الأستاذ عبد العزيز كوكاس “البوليساريو.. الصعود نحو الهاوية” تجعله مختلفا تماما عن الأدبيات الكثيرة التي أغرقت المكتبات والخزانات في موضوع النزاع الإقليمي حول صحرائنا المغربية، إنه بحق نموذج جديد ومقاربة غير مسبوقة.. لقد تحاشى الكاتب عن قصد الخوض في التاريخ البعيد وتحاشى مناقشة أطروحات خصوم الوحدة الترابية أو استدلالات المغرب على حقوقه في إثبات ارتباط الأقاليم الصحراوية بالوطن الأب المملكة المغربية.. وقام بمجهود غريب، يحاكي عمليات التشريح الطبي الدقيق التي يقوم بها الأساتذة الكبار لمعالجة خلايا الدماغ البشري والأنسجة الدقيقة. إنه لم يذهب بعيدا في التاريخ بل اعتمد بالأساس المواقف والأحداث المفصلية ما بين سنة 1970 وسنة 1973 وهي جزء من التاريخ الحديث”.

فـ”بأسلوبه السلس، قام الأستاذ كوكاس بتشريح دقيق لما تم بين المغرب والجزائر وموريتانيا وإسبانيا من اتصالات ومواقف وتصريحات من جهة، وما كان يُعتمل بالجامعة المغربية وبالعيون التي عرفت آنذاك انتفاضة “حي الزملة”، وما تراكم من وقائع مفصلية وسمت جزءا مهما من تاريخ الصراع في المنطقة.. فببراعته المعهودة في كتاباته، عرف الكاتب كوكاس كيف يشبك بطريقة فائقة الذكاء بين ما يبدو وقائع منفصلة وبين الأطروحة التي يقدمها في هذا الكتاب برؤية مغايرة” لمسار جبهة البوليساريو، حيث يورد معطيات دقيقة صادرة عن مؤسسين للجبهة أو فاعلين دوليين، ويقرأ وثائق إسبانية ومذكرات ويوميات مسؤولين بارزين بالمغرب وموريتانيا والجزائر وفرنسا.. ليرسم حقيقة جبهة البوليساريو.

وفي تصريح للجريدة حول الطبعة الثالثة لكتابه “جبهة بوليساريو.. الصعود نحو الهاوية”، قال كوكاس: “إذا كانت الحقيقة هي أكبر ضحية في كل حرب، أو صراع بين أطراف متعددة لها مصالح متناقضة، خاصة حين تكون نواة هذا الصراع مختلقة، فإن اللغة التي يتم بها توصيف الوقائع تكون عادة مختفية وراء طبقات كثيفة من الكذب”.

واستطرد كوكاس بأن إقبال المغاربة على هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الثالثة في ظرف وجيز، يدل على وجود تعطش لكشف الكذب من الحقيقة فيما تراكم حول أقدم صراع في شمال إفريقيا، كما أن سعي دور نشر أجنبية لترجمة الكتاب، يدل على أنه نجح في تخليص اللغة التي يتم بها توصيف وتقديم جبهة البوليساريو من الكثير من طفيليات الكذب”.

ووفق الكاتب، بدأ الناس يعون أن الأمر يتعلق بجبهة مغربية، أسسها مغاربة في سياق دولي ملتبس، ووظفها القذافي وبعده بومدين في صراعهما مع النظام الملكي. لكن التحولات التي وقعت على مدار العقود الخمسة للصراع، كشفت تحولات عميقة في مسار جبهة تسير نحو حتفها، لأنها تفقد استقلالية قرارها، وأضاعت الطريق نحو الحلم الأول الذي هو تحرير الصحراء من المستعمر الإسباني”.

واسترسل كوكاس بالقول “ما حدث من تحولات دولية وأيضا داخلية وسط المخيمات يبرز أن الجبهة تعيش عصر النهايات، وهذا ما حاولت كشفه بلغة مغايرة، ولو أنه لا يمكن للباحث أن يكون محايدا أمام لغة غير محايدة، لكنني حاولت، وربما هذا سر نجاح الكتاب المختلف في مقاربته لمسار البوليساريو”.

وكتب المؤلف في تصديره للطبعة الثالثة لكتابه: “في قضية الصحراء، اكتشفت أن المغرب هو ضحية النظر إليه من بعيد، ما يصاغ عن الوحدة الترابية للمملكة، هو وجهة نظر الأجانب وتصوراتهم عن واقع لا يُقيمون فيه، ولا يسكنون لغته ورموزه وإشاراته، أنتجوا “مغربا” صنعوه، وأضحينا نستشهد باللغة التي فُهم بها المغرب الذي نسكنه ويسكننا.. إما مغرب سياحي بارد أشبه بصور البطائق البريدية منمق مثل الصفحات الإشهارية، وإما مغرب بعيد قادم من بدائية ضاربة في التاريخ، منشطر على ذاته، متناقض مع مكوناته..

ويتابع “قضية الوحدة الترابية، لم تسلم من هذه الرؤية، هل نظر المجتمع الدولي إلى المغرب كما هو، المغرب ليس مترجما؟ ألم يؤد المغرب ضريبة كسل اللغة القانونية الدولية، لأنها لم تعرف رابطة اسمها البيعة ولا الدعاء لأمير المؤمنين في المساجد، ولا فض النزاعات وإصدار الأحكام باسم عرش المملكة، ولا الامتداد الثقافي العميق، وبنية السلوكات الاجتماعية وتقاطع التمثلات والتصورات والطقوس والتقاليد بين مركز المغرب وأطرافه؟

وزاد “إن التاريخ لا يمنح امتيازا للمستكينين إلى القناعات الكسولة، كانوا في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن من خلال النظر إلى ما وقع بالصحراء حقيقة، برغم جرد كل الأخطاء، فإن جهدا تنمويا كبيرا وقع بأقاليمنا الجنوبية، وتبدو المنطقة واعدة لتحقيق مصالحات كبرى مع أبناء أمتنا وإخوان من أسرنا في الجهة الأخرى ومن خلاله مع هذا الامتداد في العمق الإفريقي، لكن الأمر يحتاج إلى شجاعة أخلاقية كبرى، تزيل وشم وآثار الجراح المتراكمة بالمنطقة، وضمن كل الحلول الواقعية الممكنة والمنصفة، يعتبر مشروع الحكم الذاتي الحل الأقل سوءا”.

جريدة إلكترونية مغربية

المصدر : هسبريس

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...