الكاتب: رضوان الله العطلاتي
في الصحافة، هناك قاعدة لا يختلف حولها اثنان، وهي أن الرأي حق، أما الحقيقة فواجب. ومن هذا المنطلق، عندما يتحول رأي تحريري إلى “حقيقة” يتم تسويقها للرأي العام على أنها صادرة عن جهة عالمية، يصبح من واجب الإعلام المهني أن يتدخل، لا للدفاع عن منتخب أو دولة، وإنما دفاعًا عن الحقيقة وعن حق القارئ في معرفة الوقائع كما هي.
خلال الأيام الماضية، انتشر على نطاق واسع خبر يفيد بأن المنتخب المصري هو “أفضل منتخب عربي في كأس العالم 2026″، مع الإشارة إلى أن هذا التصنيف صادر عن موقع GOAL العالمي، غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا، فالخبر المتداول لم يصدر عن أي تصنيف رسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، ولم تعلنه أي جهة مختصة بترتيب المنتخبات، كما أنه ليس بيانًا صادرًا عن النسخة العالمية لموقع GOAL، وإنما جاء ضمن مادة تحريرية نشرتها النسخة العربية للموقع، وهي مساحة إعلامية مستقلة في معالجتها التحريرية، شأنها شأن أي قسم محلي أو إقليمي يقدم قراءته الخاصة للأحداث الرياضية.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الرأي الصحفي والحقيقة الرياضية، لأن الحقيقة لا تُقاس بما يكتبه محرر، وإنما بما ينجزه اللاعبون فوق أرضية الملعب. ولو سألنا أي متابع محايد لكرة القدم عن المنتخب العربي الذي غيّر نظرة العالم إلى الكرة العربية خلال السنوات الأخيرة، فلن يحتاج إلى كثير من التفكير، لأنه ببساطة المنتخب المغربي، ليس لأن المغاربة يقولون ذلك، وإنما لأن التاريخ يقول ذلك.
ففي مونديال قطر 2022، أصبح المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، في إنجاز غير مسبوق، بعد إقصاء منتخبات عملاقة مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، قبل أن يقف نداً لفرنسا في نصف النهائي. ولم يكن ذلك الإنجاز مفاجأة عابرة، بل كان بداية مشروع كروي حقيقي واصل تطوره في السنوات التالية، حتى أصبح المنتخب المغربي يحظى باحترام كبرى المدارس الكروية العالمية، وأصبحت تجربته محل دراسة وإشادة من وسائل إعلام وخبراء من مختلف القارات.
ولذلك، فإن أي قراءة تتجاهل هذا المسار الاستثنائي، أو تحاول القفز فوقه، تبقى مجرد اجتهاد إعلامي لا يستطيع تغيير الوقائع. ولا أحد ينكر أن المنتخب المصري يملك تاريخًا عريقًا، وهو أكثر المنتخبات تتويجًا بكأس إفريقيا، كما أن تأهله إلى الأدوار الإقصائية في هذه النسخة يستحق الإشادة والاحترام، لكن احترام إنجاز مصر لا يقتضي أبدًا التقليل من قيمة ما أنجزه المغرب.
فالرياضة ليست معادلة تقوم على إلغاء الآخر، وإنما على الاعتراف بما حققه كل طرف. ولو كانت الأفضلية تُمنح بالعناوين الصحفية، لما احتاجت كرة القدم إلى ملاعب، ولما احتاج اللاعبون إلى خوض المباريات، لكن كرة القدم لها قانون واحد، وهو النتيجة.
ولهذا السبب، عندما يريد الاتحاد الدولي قياس قوة المنتخبات، فإنه يعتمد معايير واضحة ومعلنة، ترتبط بالنتائج الرسمية، وقوة المنافسين، وأداء المنتخبات في البطولات القارية والعالمية، وليس بالمقالات أو الانطباعات الشخصية. ومن هنا، فإن تقديم مادة تحريرية على أنها “تصنيف عالمي” يوقع المتلقي في لبس لا يخدم الحقيقة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمقارنة منتخبات صنعت تاريخًا مختلفًا خلال السنوات الأخيرة.
واللافت أن أغلب وسائل الإعلام الرياضية الدولية، عند حديثها عن الكرة العربية، لا تزال تعتبر المنتخب المغربي النموذج الأبرز عربيًا وإفريقيًا، بالنظر إلى ما حققه من قفزة نوعية على مستوى النتائج والبنية التحتية والتكوين والاستقرار الفني، وهو تقدير لم يصنعه الإعلام المغربي، بل فرضته الإنجازات التي شاهدها العالم بأسره.
إن قيمة المنتخبات لا تُقاس بعدد المقالات التي تمدحها، ولا بعدد المنشورات التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة كرة القدم، وهذا الأثر لا يمكن محوه بعنوان، ولا تغييره بتصنيف تحريري، ولا إعادة كتابته وفق المزاج الإعلامي لهذا الطرف أو ذاك.
ويبقى أجمل ما في كرة القدم أنها عادلة أكثر من أي شيء آخر، فقد يختلف الناس في التحليل، وقد تختلف وسائل الإعلام في التقييم، لكن عندما يطلق الحكم صافرة النهاية، لا يبقى سوى الحقيقة. والحقيقة التي يعرفها العالم اليوم، أن المنتخب المغربي لم يصل إلى مكانته بالصدفة، ولم تمنحه إياها صحيفة أو موقع إلكتروني، وإنما صنعها بعرق لاعبيه، وكفاءة أطره، ورؤية وطنية جعلت من كرة القدم المغربية نموذجًا يحتذى به.
ولهذا، فإن مكانة المغرب الكروية ليست هدية من أحد، بل إنجاز لا يستطيع أحد مصادرته.
