امين بوشعيب كاتب صحفي
بإيطاليا
في الأسبوع المنصرم، وخلال ردّه على سؤال شفوي، قال السيد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي: ” إن ما خلفته جائحة “كورونا” جعلت الوزارة تفكر في تصور جديد لدعم الصحافة، الذي هو استثمار نشتغل عليه بمقاربة تشاركية مع الفاعلين، والهيآت المهنية” وأضاف مؤكّدا أن الهدف من ذلك هو تقوية دور الصحافة، وجعل هذه المهنة في المكانة العالية، والتفكير في النموذج الاقتصادي الجديد، الذي يواكب التحدي الرقمي، والتحولات التكنولوجية، مبرزا في هذا الصدد ضرورة أن تكون الصحافة ضمن هذه المبادرة التي تتضمن مشاريع حكومية في المجال الرقمي. وأوضح السيد الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية في مجلس النواب أنه ابتداء من شهر مارس المقبل، ستقدم الوزارة بتنسيق مع باقي الشركاء، استراتيجية على مدى خمس عشرة سنة لدعم الصحافة “المسؤولة” كمهنة على اعتبار أنه ليس من هبّ ودبّ يُصبح صحافيا.
جواب السيد الوزير كان له محور واحد وهو دعم الصحافة، لكن هذا الدعم -حسب تصوره- يجب أن تستفيد منه الصحافة المسؤولة فقط. وعلى الرغم من أن السيد الوزير لم يوضح ماذا يقصد بالصحافة المسؤولة، إلا أن البرلماني الذي ينتمي إلى الأغلبية الداعمة للحكومة قد أشار إلى المسكوت عنه، وذلك خلال تعقيبه على جواب الوزير، حيث أكد: أن المغرب في حاجة إلى صحافيين مهنيين يحاربون التضليل، والأخبار الكاذبة”
إذن، فعلى كل صحافي يبتغي الدعم من وزارة السيد مهدي بنسعيد، ان يتجنّد للدفاع عن حوزة الوطن من هجمات المنظمات الدولية والمحلية التي تنجز تقارير غير نزيهة، عن حالة البلاد الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والتعليمية والسياسية، خاصة المنظمات التي “تتحامل” على المغرب في كل مناسبة.
فمثلا عندما تتحدث التقارير عن الوقفات والمسيرات الاحتجاجية التي عمّت الكثير من المدن المغربية في الأسابيع القليلة الماضية، سواء أكانت احتجاجات أساتذة التعاقد أم احتجاجات الرافضين لفرض جواز التلقيح أم الاحتجاجات لأية أسباب أخرى ترتبط بمطالب تهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية …، وتقوم تلك التقارير بوصف القمع واستعمال القوة المفرطة في تفريق هؤلاء المحتجين، فعلى الصحفي “المسؤول” ان يقيّمها من زاوية النظر التي تنسجم مع رؤية الحكومة، التي ترى أن حماية سلامة المواطنين وممارسة الحقوق والحريات والحفاظ على الأمن والنظام العامين كانت عناوين للتفريق السلمي للمظاهرات بضبط النفس، وأن المنع جاء بسبب عدم احترام المتظاهرين للشروط القانونية المنظمة للاحتجاج والتظاهر السلمي.
هذا مثال فقط وقس على ذلك، ولا أريد أن أسترسل في ذكر الامثلة فهناك كثير في هذا المجال.
ما استوقفني أيضا في جواب السيد الوزير العبارة التي نُسبت إليه، ونقلتها بعض المواقع الإعلامية وهي قوله: “إنه ليس من هب ودب يُصبح صحافيا” وأظن أنها عبارة تتطلب توضيحا من السيد الوزير، فالكلمتان حسب بعض خبراء اللغة، تصفان حركة الكائن الذي تحركه الريح كالهوام والحشرات، وهي عبارة تحمل معنى قدحيا المقصود بها حثالة الناس.
وعلى افتراض أن السيد الوزير لا يقصد بعبارته تلك المعنى الذي ذكرنا، فلا بدّ أن ننبّه إلى التطور الذي طرأ على مفهوم الصحافة الذي نشأ في إطار الإعلام الجديد، بسبب التطور التكنولوجي الهائل في مجال الاتصال وظهور مواقع الشبكات الاجتماعية ومواقع الفيديو التشاركية مما أدى إلى طرح مفاهيم جديدة على الساحة الإعلامية، مثل مصطلح الصحافة المواطنة أو الصحافي المواطن، الذي انتشر بشكل كبير في المشهد الصحفي على المستوى الدولي والعربي. وفي هذا الصدد يعرّف «دجاي روزن” -وهو ناقد صحفي وأستاذ للصحافة والإعلام بجامعة نيويورك بقوله: “صحافة المواطن هي حينما يوظف عامة الناس المعروفون شكلياً بالجمهور، الأدوات الصحفية التي في حوزتهم لإخبار أناس آخرين عن حدث مهم” وهو نمط إعلامي جديد تقلص فيه دور الحكومات مقابل أدوار المجتمع.
وعليه فهذه المرحلة تجسّد انقلاباً على النموذج الإعلامي التقليدي بما يسمح للفرد العادي (أو لمن هبّ ودبّ حسب تصور الوزير) إيصال رسالته إلى من يريد، في الوقت الذي يريد بطريقة متعددة الاتجاهات، باستخدام أدوات إنتاجية مثل كاميرات الفيديو والكاميرات الرقمية، وأجهزة الهواتف النقالة، لكن يبقى الأساس في كل ذلك هو المصداقية، وإفساح مجال الحرية أمام الصحفي، وليس تكميم الأفواه بالدعم المشروط.
لذلك أتمنى من السيد الوزير أن يحيّن المفاهيم التي يحملها حول الصحافة، وأن يكون “مسؤولا” في تصريحاته، لأن المسؤولية يجب أن تسري على الجميع، وليس على الصحافة فقط، وكما يمكن لكل من هبّ ودبّ أن يصبح صحفيا، فكذلك يمكن له أن يكون وزيرا.
فلاش: يقول باروخ اسبينوزا في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة: ” ليس الغرض الأقصى من الدولة أن تسيطر على الأفراد ولا أن تكممهم بالمخاوف، ولكن الغاية منها أن تُحرر كل إنسان من الخوف، حتى يستطيع أن يعيش ويعمل في أمن تام دون أن يضر نفسه أو يؤذي جاره. إني أكرر القول بأن ليست غاية الدولة أن تحوّل الكائنات العاقلة إلى حيوانات متوحشة أو آلات، بل إن الغرض منها هو أن تمكّن أجسامهم وعقولهم من العمل في أمن، غايتها أن تهيئ للناس عيشًا يستمتعون فيه بعقول حرة، حتى لا ينفقوا قوتهم في الكراهية والغضب والكيد وإساءة بعضهم إلى بعض. إن غاية الدولة الحقيقية هي أن تكفل الحرية”
سيدي الوزير هكذا تتطور المجتمعات وتتقدّم إلى الأمام، لأن المطلوب هو إتاحة مساحة للتفكير للصحفي كي يتصرف كمواطن حر وكريم وشريك في الوطن، وليس كأجير ينتظر من الحكومة أن تدعمه كي يكون غرفة لرد صداها.
أمين بوشعيب/ إيطاليا

