وجدت مدينة القنيطرة نفسها، خلال الأيام الأخيرة، في قلب موجة غير اعتيادية من التنقلات البشرية، بعدما توافد عليها عدد كبير من الشباب والقاصرين القادمين من مدن ومناطق مختلفة، متخذين منها نقطة عبور في اتجاه مدن شمال المملكة، في سياق محاولات الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة.
ولم يكن اختيار القنيطرة محطةً في هذا المسار أمرًا عرضيًا، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي داخل شبكة النقل الوطنية، وما توفره من خطوط سككية تربط وسط المملكة بشمالها، سواء عبر قطارات «البراق» أو القطارات العادية، فضلًا عن محطة الحافلات والطرق الرابطة بين المدن، وهو ما جعلها نقطة التقاء لمجموعات من الوافدين الراغبين في مواصلة الرحلة نحو طنجة وتطوان والفنيدق.
وشهد محيط محطة القطار وعدد من فضاءات النقل بالمدينة حركة استثنائية واكتظاظًا ملحوظًا، بالتزامن مع توافد أعداد من الراغبين في الهجرة نحو سبتة، في وقت سجلت فيه محطات القطار والحافلات بعدد من المدن المغربية حضورًا أمنيًا مكثفًا لمراقبة حركة المسافرين والتعامل مع تداعيات هذه الموجة.
غير أن ما ميّز الوضع بمدينة القنيطرة هو الطريقة الهادئة والمنظمة التي جرى بها تدبير هذه المرحلة، إذ باشرت المصالح الأمنية، تحت إشراف والي أمن القنيطرة، تتبع التحركات المسجلة ميدانيًا، وتأمين محيط محطات النقل والمرافق التي شهدت توافدًا استثنائيًا، مع الحرص على الحفاظ على النظام العام وضمان سلامة المسافرين ومستعملي هذه الفضاءات.
وقد أظهرت مختلف المصالح الأمنية درجة عالية من اليقظة والجاهزية، من خلال الانتشار الاستباقي والتنسيق الميداني والتعامل المتزن مع تجمعات الوافدين، دون الانجرار إلى أي احتكاكات غير محسوبة، وهو ما سمح بمرور هذه المرحلة الحساسة دون تسجيل أعمال تخريب أو إضرام للنيران أو اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة داخل المدينة.

ولا تقتصر أهمية هذا التدبير على السيطرة الآنية على الوضع، بل تتجلى كذلك في نجاح المصالح الأمنية في حماية السير العادي للمدينة، ومنع تحول الاكتظاظ المسجل في بعض نقاط العبور إلى حالة من الفوضى، خصوصًا في ظل ما شهدته بعض المناطق الشمالية من مواجهات وأعمال شغب وتخريب للمركبات خلال ذروة موجة العبور نحو سبتة.
كما أن وجود القاصرين ضمن مجموعات الوافدين فرض مقاربة دقيقة تراعي حساسية أعمارهم ووضعياتهم الاجتماعية، إلى جانب ضرورة تطبيق القانون وحمايتهم من المخاطر المرتبطة بالسفر غير الآمن ومحاولات الهجرة غير النظامية، وهي مهمة تطلبت قدرًا كبيرًا من ضبط النفس والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وقد برهنت هذه الأحداث على أن الأمن لا يُقاس فقط بعدد التدخلات أو التوقيفات، بل كذلك بالقدرة على منع الخطر قبل وقوعه، وتدبير التجمعات المفاجئة بهدوء واحترافية، وصون النظام العام دون المساس بسلامة الأشخاص أو تعطيل الحياة اليومية للمدينة.
وبفضل هذه الجاهزية، مرت القنيطرة من هذه المرحلة الاستثنائية دون خسائر أو أحداث تمس بأمنها واستقرارها، في صورة تعكس فعالية المقاربة الاستباقية التي اعتمدتها ولاية أمن القنيطرة، والتنسيق المحكم بين مختلف المصالح والسلطات المعنية.
إن ما شهدته المدينة لم يكن حدثًا عابرًا بالنظر إلى حجم الوافدين وسرعة تحركهم بين مختلف وسائل النقل، لكنه شكل في المقابل اختبارًا ميدانيًا نجحت فيه المؤسسات الأمنية في الحفاظ على أمن القنيطرة وسلامة ساكنتها ومرافقها، مؤكدة مرة أخرى أن الجاهزية والاحترافية وحسن تقدير المواقف تظل عناصر حاسمة في مواجهة الظروف الاستثنائية بأقل الأضرار الممكنة.

