نزار بركة يدعو إلى ميثاق وطني جديد للتعمير القروي ورابطة المهندسين المعماريين الاستقلاليين تطرح خارطة طريق لتحقيق العدالة المجالية

احتضنت مدينة الرباط يوماً دراسياً رفيع المستوى نظمته رابطة المهندسين المعماريين الاستقلاليين تحت عنوان “نحو مقاربة جديدة للتعمير والبناء بالوسط القروي في خدمة المواطن والعدالة المجالية”، برئاسة الأمين العام لحزب الاستقلال، وزير التجهيز والماء، نزار بركة، وبمشاركة رئيسة الرابطة ناهد حمتامي، وبحضور عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب ووزرائه وممثلي هيئاته وروابطه المهنية، في لقاء شكل منصة للنقاش حول مستقبل التعمير بالعالم القروي وسبل جعله رافعة للتنمية الترابية المستدامة.

وشكلت الندوة مناسبة لطرح رؤية جديدة تتجاوز المقاربة التقليدية للتعمير، عبر فتح نقاش مهني وعلمي حول الإكراهات التي تواجه البناء في الوسط القروي، والبحث عن حلول عملية تستجيب لانتظارات الساكنة، وتحافظ في الوقت نفسه على الخصوصيات العمرانية والبيئية للمجالات القروية، بما ينسجم مع متطلبات العدالة المجالية.

وفي كلمته، أكد نزار بركة أن النقاش حول التعمير في العالم القروي لا ينبغي أن يظل محصوراً في وثائق التعمير ورخص البناء، بل يجب أن ينطلق من الإنسان وحقه في العيش الكريم، معتبراً أن التعمير في جوهره مشروع تنموي ومجتمعي قبل أن يكون مجرد تنظيم للمجال.

ودعا بركة إلى إطلاق ميثاق وطني جديد للتعمير في العالم القروي يؤسس لمقاربة شاملة تجعل التعمير في خدمة التنمية والعدالة المجالية، مشدداً على أن تحقيق “مغرب السرعة الواحدة” يمر عبر سياسات عمرانية تستجيب لخصوصيات القرى وتوفر لسكانها شروط الاستقرار والعيش الكريم.

وأشار إلى أن العالم القروي عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، غير أنه ما يزال يواجه تحديات ديموغرافية متزايدة، مبرزاً أن نحو مليوني شخص غادروا القرى خلال العقد الأخير، بمعدل يقارب 200 ألف شخص سنوياً، وهو ما يستوجب توفير الظروف التي تجعل الاستقرار في المجال القروي خياراً حقيقياً، من خلال توفير السكن وفرص الشغل والخدمات الأساسية.

وأوضح أن الرؤية الجديدة تقوم على تيسير حصول المواطنين على السكن عبر تبسيط المساطر، مع عدم اختزال العالم القروي في النشاط الفلاحي فقط، بل العمل على إحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدماتية، وتشجيع الاستثمار والسياحة القروية والاقتصاد الرقمي، بما يساهم في خلق فرص شغل مستدامة لفائدة الشباب.

وأكد أن التعمير الحقيقي لا يبدأ عند منح رخص البناء، بل من تصور متكامل للمجال الترابي، مضيفاً أن المطلوب اليوم هو الانتقال من تعمير ينظم البناء إلى تعمير ينظم الحياة، من خلال توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وإدماج البعد الوقائي المرتبط بالمخاطر الطبيعية، مع إعداد وثائق تعمير تستشرف حاجيات المستقبل.

كما شدد على أهمية إعداد قانون خاص بالتعمير في الوسط القروي يراعي خصوصياته، إلى جانب تبسيط المساطر الإدارية وتقليص آجال الترخيص، معتبراً أن تبسيط الإجراءات لا يعني التساهل، وإنما إزالة العراقيل التي تعيق الاستثمار والتنمية.

من جهتها، أكدت ناهد حمتامي، رئيسة رابطة المهندسين المعماريين الاستقلاليين، أن تنظيم هذا اليوم الدراسي يندرج في إطار الانخراط في أولويات تحقيق تنمية شاملة ومستدامة وعادلة، مشيرة إلى أن العالم القروي يحتل مكانة محورية في التنمية الترابية، لكون 83 في المائة من الجماعات الترابية بالمغرب جماعات قروية، وهو ما يفرض اعتماد رؤية جديدة للعمران القروي تراعي خصوصياته بدل استنساخ النماذج الحضرية.

وأوضحت أن التحولات المناخية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة تستدعي إعادة النظر في أساليب التخطيط المجالي والعمراني، عبر الجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة المهنية والميدانية، من أجل بلورة حلول واقعية تستجيب لاحتياجات الساكنة وتحسن جودة عيشها.

كما شددت على أن الرهان لا يقتصر على مراجعة النصوص القانونية أو تبسيط المساطر الإدارية، بل يشمل الارتقاء بجودة الهندسة المعمارية والعمرانية، وجعل الفضاء القروي مجالاً للإنتاج والإبداع والاستثمار، بما يواكب الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة.

وخلال أشغال الندوة، دعا المشاركون إلى إعادة التفكير في أدوات التخطيط العمراني بالمجالات القروية، وإعداد وثائق تعمير أكثر مرونة وواقعية، تراعي أنماط العيش المحلية، وتحافظ على الموروث المعماري والطبيعي، مع الاستفادة من عدد من التجارب الدولية الرائدة، من بينها فرنسا وتركيا والبرازيل والصين، بما يمكن من تكييف أفضل الممارسات مع الخصوصية المغربية.

وخلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات أكدت أن النهوض بالعالم القروي عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً أصبح ضرورة وطنية لتحقيق التوازن المجالي، داعية إلى إطلاق برامج تعميرية متخصصة، وتحديث المنظومة القانونية، واعتماد مقاربة مندمجة تجعل التعمير رافعة للتنمية المستدامة، وتضع المواطن القروي في صلب السياسات العمومية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...