في سابقة من نوعها، احتضن لقاء أدبي نظمه مجلس الجالية المغربية بالخارج بشراكة مع سفارة أستراليا بالمغرب، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب يوم الثلاثاء 5 ماي 2026، مشاركة أول كاتبة مغربية أسترالية نادية مهجوري، إلى جانب الكاتبة المغربية البريطانية سعيدة رواس، والكاتبة المغربية الأمريكية مهاني العلوي، في ندوة أدبية ناقشت موضوع الكتابة المغربية باللغة الإنجليزية، وأدارتها الصحفية المغربية الفرنسية حنان الحراث.
الكتابة كذاكرة وهوية
وتتقاطع مسارات الكاتبات الثلاث في شغفهن المبكر بالكتابة، الذي سبق استقرارهن في بلدان ناطقة باللغة الإنجليزية. فبالنسبة لسعيدة رواس، المقيمة في لندن، بدأت علاقتها بالكتابة منذ مرحلة المراهقة، حيث جعلت من الأدب وسيلة لإعادة قراءة تفاصيل حياتها وذاكرة بلدها، مستعينة بالأرشيف والتاريخ لإعادة تشكيل صورة المغرب عبر السرد الإبداعي.
أما نادية مهجوري، فتعتبر الكتابة ضرورة شخصية وذاكرة حية في الآن ذاته، وترى فيها رحلة حياة كاملة. وقد بدأت الكتابة في سن العشرين بهدف التحرر والتعبير عن الذات، لكنها أرادت أيضاً أن تترك أثراً لأطفالها “حتى يفهموا كيف أصبحوا أستراليين من أم مغربية”، معتبرة أن الكتابة شكل من أشكال رد الجميل لعائلتها وإثارة فخر والدتها بها.
من جهتها، تنظر مهاني العلوي إلى الأدب باعتباره امتداداً لرؤية أنثروبولوجية للعالم، مستفيدة من تكوينها الأكاديمي في هذا المجال ومن نشأتها داخل أسرة عاشقة للكتب، إضافة إلى تأثرها بوالدتها الكاتبة. وتؤكد أن “الكتابة ذاكرة تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أعمق”.
المغرب فضاء مشترك للسرد
ورغم اختلاف تجاربهن ومساراتهن، يظل المغرب القاسم المشترك في أعمال الكاتبات الثلاث، بما يحمله من ذاكرة تاريخية وصمت اجتماعي وقضايا مرتبطة بالنساء والهوية.
ففي أعمال سعيدة رواس، يتحول المغرب إلى فضاء للبحث والاستقصاء، حيث تستحضر مدناً ومناطق مثل مراكش وطنجة وشفشاون والريف، مستكشفة حقباً تاريخية غير معروفة كثيراً لدى القارئ البريطاني، مع تركيز واضح على منح النساء صوتاً داخل النصوص الروائية.
كما أولت اهتماماً خاصاً للأسرة والعلاقات داخل البيت المغربي، انطلاقاً من قناعتها بأن ما يحدث داخل الفضاء العائلي ينعكس بشكل مباشر على المجتمع.
أما مهاني العلوي، الحاصلة على عدة جوائز أدبية، فتعتمد على خلفيتها الأنثروبولوجية لاستكشاف آثار الاستعمار والظلم الاجتماعي، مع اهتمام خاص بموضوع العبودية في المغرب، الذي تناولته برؤية تحليلية متوازنة رغم حساسيته، مؤكدة أن هذه الظاهرة ترتبط بالثقافة والتاريخ أكثر من ارتباطها بالدين.
في المقابل، تمزج نادية مهجوري بين الذاكرة الشخصية والخيال الروائي، معتبرة أن المخيلة تكمل ما يعجز الواقع عن قوله. وتوضح أن أعمالها تنطلق غالباً من جزء حقيقي من القصة، بينما تترك لبقية التفاصيل أن تتشكل عبر الخيال، مشيرة إلى أن شخصياتها اتخذت أحياناً بعداً سياسياً، خصوصاً عند معالجتها لموضوع “الاعتداءات”.
الكتابة النسائية والالتزام الثقافي
وشكلت قضايا النوع الاجتماعي محوراً بارزاً في مداخلات الكاتبات الثلاث، حيث شددت مهاني العلوي على أن التزامها النسوي لا يقوم على منطق الصراع بين الرجل والمرأة، بل على فكرة التوازن وإبراز أهمية الشخصيات النسائية حتى داخل المجتمعات الأبوية.
أما سعيدة رواس، فتحدثت عن الصعوبات التي تواجهها المرأة المنتمية إلى أقلية داخل فضاء النشر الأنغلوساكسوني، معتبرة أن نقل أصوات الفئات المهمشة يمثل مسؤولية أخلاقية، شرط أن ينطلق الكاتب أولاً من فهم ذاته قبل الحديث باسم الآخرين.
من جهتها، وسعت نادية مهجوري هذا النقاش إلى مجالات أخرى، من خلال إطلاقها بودكاست بعنوان “الأمومة”، تشاركها فيه مهاني العلوي، بهدف خلق فضاء جديد لسرد تجارب النساء وتبادل القصص المرتبطة بالهوية والهجرة والأسرة.
تحديات الأدب الإنجليزي في المغرب
وتطرقت الندوة أيضاً إلى الصعوبات التي تواجه الأدب المغربي المكتوب باللغة الإنجليزية، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى القارئ المغربي، مقارنة بالأدب الفرنكفوني الذي يستفيد من الإرث اللغوي للاستعمار الفرنسي.
وفي هذا السياق، أوضحت سعيدة رواس أن الأدب المغربي يظل غير مألوف لدى القارئ البريطاني المعتاد على الأدب الأوروبي، معتبرة أن ترجمة أعمالها إلى العربية ساعدتها على الوصول إلى جمهور أوسع داخل المغرب، مع حرصها على تقديم المغرب باعتباره ثقافة كاملة وليس مجرد فضاء جغرافي.
بدورها، تحدثت نادية مهجوري عن الصعوبات التي واجهتها داخل الوسط الأدبي الأسترالي، الذي لا يزال محدود الانفتاح على الأصوات المغربية مقارنة بحضور الجاليات العربية الأخرى، مؤكدة أنها خاضت “نضالاً حقيقياً” من أجل فرض حضورها داخل عالم النشر، قبل أن تتمكن من إصدار أعمالها لدى دار نشر مرموقة.
العودة إلى الوطن عبر الأدب
وفي تفاعلها مع سؤال حول مشاركتها في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، عبرت نادية مهجوري عن سعادتها الكبيرة بقراءة أعمالها داخل بلدها الأم، مؤكدة أن العودة إلى المغرب ككاتبة تمثل بالنسبة إليها “حُلماً تحقق”.
وهو الإحساس نفسه الذي تشاركه الكاتبات المشاركات في هذا اللقاء، بعدما بدأت أعمالهن تجد طريقها إلى القارئ المغربي عبر الترجمات والمهرجانات الثقافية، في مشهد يعكس الحضور المتزايد للأدب المغربي المكتوب باللغة الإنجليزية، والدور المتنامي لكاتبات المهجر في إثراء المشهد الثقافي المغربي.

