الوطن ليس مادة للتجريب الإعلامي ولا نقبل أن يتحول النقد إلى طعن في الظهر

ليس من باب المزايدة في الوطنية، ولا من منطق تكميم الأفواه، أن يُطرح اليوم سؤال جوهري حول حدود النقد ومسؤولية الكلمة حين تصدر عن إعلامي مغربي يختار منبرا أجنبيا ليجعل من بلده ومنتخبه ومؤسساته مادة للتشكيك والسخرية وبث الإحباط. الفرق بين النقد المهني وبين الطعن في الظهر فرق واضح، لكن بعض الأصوات تصرّ على القفز عليه، متذرعة بحرية الرأي، بينما هي في الواقع تمارس أخطر أشكال العبث الرمزي بصورة الوطن.

لقد كان المغاربة، عن حق، من أوائل من افتخروا بوصول أسماء إعلامية مغربية إلى قنوات دولية كبرى، واعتبروا ذلك اعترافا بالكفاءة المغربية وقدرتها على الحضور والتأثير. غير أن الصدمة كانت قوية عندما تبيّن أن بعض هؤلاء لم يحمل معه إلى تلك المنابر سوى عقد شخصية وحسابات ضيقة، سرعان ما تحولت إلى خطاب عدائي تجاه كل ما هو مغربي: المنتخب، المدرب، الجامعة، المسؤولون، وحتى الجماهير.

ما يقع اليوم ليس اختلافا في الرأي، ولا قراءة تقنية لمسار رياضي، بل هو سلوك إعلامي يقوم على منطق “نسف المعنويات” في توقيت حساس، حيث يلتف شعب بأكمله حول حلم مشروع، بعد عقود من الانتظار. فهل من المهنية أن تختار لحظة الإجماع الوطني لتزرع الشك؟ وهل من الأخلاق الصحفية أن تُقدَّم الانطباعات الشخصية وكأنها حقائق مطلقة؟ وهل من الشجاعة أن تُهاجم من خارج السياق الوطني، مستفيدا من منصات تعلم جيدا كيف توظف أي خطاب يسيء لبلدك؟

النقد الحقيقي يكون دقيقا، متوازنا، مؤسسا على معطيات واضحة، ويهدف إلى التقويم لا إلى الهدم. أما حين يتحول إلى تشكيك ممنهج، وإلى جلد جماعي للنجاحات، وإلى التقليل من كل إنجاز فقط لأنه “مغربي”، فنحن لسنا أمام رأي، بل أمام خطاب إحباطي يخدم أجندة واحدة: كسر الثقة، وضرب الروح، وتحويل الحلم الجماعي إلى مادة للسخرية.

المغرب اليوم ليس في حاجة إلى أبواق تهزمه قبل أن يدخل المعركة، ولا إلى “محللين” يفرحون بالتعادل ويهللون لأي تعثر وكأنه انتصار شخصي لهم. المغرب اليوم يشتغل بمنطق المشروع، في كرة القدم كما في غيرها، بمنهجية واضحة، وبمؤسسات تعرف ماذا تفعل، وبكفاءات أثبتت نفسها في الميدان، لا في اليوتيوب ولا في الاستوديوهات البعيدة عن نبض الشارع المغربي.

الوطن ليس فريقا نغيره عند أول خسارة، ولا فكرة نجلدها حين لا توافق أهواءنا. الوطن مسؤولية، والكلمة أمانة، ومن لا يستطيع التفريق بين النقد والبث الممنهج للإحباط، فليعلم أن السم الذي ينشره لن يصيب إلا مصداقيته أولا، ثم مكانته، ثم تاريخه المهني.

نعم، يمكن أن نناقش، يمكن أن نختلف، يمكن أن نطالب بالأفضل، لكن حين تتحول المنابر الإعلامية إلى أدوات لتغذية الشك في الذات الوطنية، فهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح: الوطن خط أحمر، ومن يختار الوقوف ضده في لحظات الإجماع، لا يمكنه أن يطالب لاحقا بصفة “الناقد الحر”، لأن الحرية بلا مسؤولية ليست رأيا، بل فوضى.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...