في سياق وطني يتسم بتصاعد النقاش حول الأمن الصحي واستقلال القرار الدوائي، يبرز الحوار الذي خص به الدكتور رشيد بنزيان جريدة العالم24، المؤسس والرئيس المدير العام لشركة كينيفارما، كإحدى الشهادات المهنية العميقة التي تضع الرأي العام أمام معطيات دقيقة، علمية، وواقعية حول مستقبل صناعة الدواء بالمغرب، بعيدًا عن الشعبوية والمغالطات الرائجة.
ينطلق الدكتور بنزيان من مسار مهني مغربي خالص، تشكّل داخل كلية الطب والصيدلة بالرباط، وتدرّج من ممارسة الصيدلة إلى تأسيس شركة فاعلة في توزيع الأدوية، ما أتاح له فهمًا ميدانيًا دقيقًا لإكراهات الصيدلي، وحاجيات السوق، واختلالات المنظومة الدوائية. هذا القرب من الواقع هو ما جعل الانتقال من التوزيع إلى التصنيع خيارًا استراتيجيًا نابعًا من الحاجة، لا من المغامرة، خاصة بعد الدروس القاسية التي كشفتها جائحة كوفيد-19 بخصوص الاعتماد على الاستيراد.
ويؤكد المتحدث أن التصنيع المحلي للدواء لم يعد ترفًا اقتصاديًا، بل ضرورة سيادية تضمن الاستقلالية الصحية، واستمرارية التزويد، وحماية القدرة الشرائية للمواطن. ومن هذا المنطلق، يعلن عن اقتراب إطلاق أول وحدة مغربية متخصصة في إنتاج أدوية السرطان القابلة للحقن، وفق معايير صناعية متقدمة، وبمسار إنتاج محلي يشمل الصياغة، التعبئة، والمراقبة الآلية، بما يجعل المشروع نقلة نوعية في صناعة دواء حساس يتطلب أعلى درجات الدقة والجودة.
وفي معرض تفكيكه للمغالطات المنتشرة حول الدواء، يتوقف الدكتور بنزيان عند الدواء الجنيس، موضحًا بلغة علمية مبسطة أنه مطابق للدواء الأصلي من حيث الفعالية والتوافر الحيوي، ويخضع لنفس مساطر الترخيص والمراقبة الصارمة. كما يدحض الفكرة الشائعة التي تروّج لتفوّق الدواء المستورد على الوطني، مؤكدًا أن الأدوية المصنعة بالمغرب تستجيب لمعايير جودة أوروبية، وأن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الجودة، بل في محدودية التصنيع المحلي لبعض الأدوية الحيوية.
أما بخصوص ارتفاع أسعار بعض الأدوية، فيميز المتحدث بين ما هو مرتبط بمصدر الاستيراد وسياسات التسعير الدولية، وبين ما يمكن معالجته عبر توسيع التصنيع المحلي وتشجيع استعمال الدواء الجنيس، معتبرا أن هذا التوجه هو السبيل الأنجع لتخفيف العبء عن المواطن وصناديق التأمين، دون المساس بالفعالية العلاجية.
وفي موقف واضح ومسؤول، يحذر الدكتور بنزيان من خطورة الترويج لعلاجات غير مثبتة علميًا، خاصة في أمراض خطيرة كالسرطان، داعيًا إلى اعتماد المرجعية العلمية وحدها في القضايا الصحية. فالدواء، كما يوضح، هو ثمرة سنوات طويلة من البحث والتجارب السريرية واستثمارات ضخمة، ولا يمكن تعويضه بوصفات أو ادعاءات تفتقر لأي دليل علمي.
ويضع الحوار البحث العلمي والابتكار في صلب معادلة المستقبل، معتبرًا أن التزاوج بين التصنيع والبحث هو ما سيمكّن المغرب من تموقع إقليمي ودولي قوي، خاصة في مجالات البيوتكنولوجيا والأدوية والبدائل الحيوية، مشددًا على أن الكفاءات المغربية قادرة على تحقيق ذلك متى توفرت الإرادة والاستثمار والرؤية الواضحة.
ويختتم الدكتور بنزيان حديثه برسالة طمأنة وأمل موجهة إلى المغاربة، مفادها أن خفض أسعار بعض الأدوية هدف واقعي وقابل للتحقق، وأن السيادة الدوائية ليست شعارًا سياسويًا، بل مسار عملي انطلق فعليًا. فالمغرب، بما يزخر به من موارد بشرية مؤهلة وخبرة تراكمية، مؤهل لأن يصبح فاعلًا وازنًا في صناعة الدواء، وأن ينتقل من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، خدمةً لصحة المواطن ومصلحة الوطن.
