تدعو اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي في تقريرها العام، إلى توجه تنظيمي جديد أساسه الجمـع بيـن “دولـة قويـة مـع مجتمـع قـوي“.
ويجسـد هذا التوجــه مفهــوم “المســؤولية والإقلاع الشــامل” الــذي أكد عليه جلالة الملك محمد السادس في خطـاب العـرش لسـنة 2019 ، كما يعكس الطابـع المتفـرد للنمـوذج التنمـوي للمملكـة، حيـث تعتبـر المؤسسـة الملكيـة الركيـزة الأساسـية للدولـة ورمـز وحـدة الأمـة والضامنة للتوازنـات والحاملـة للرؤيـة التنموية وللأوراش الاسـتراتيجية طويلـة المـدى والسـاهرة علـى تتبـع تنفيذهـا خدمـة للمواطنيـن.
وبحسب التقرير الذي قدم خلال حفل ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم الثلاثاء بالقصر الملكي بفاس فإن التوجـه الجديـد للجمـع بيـن “دولـة قويـة مـع مجتمـع قـوي”، توجـه يعبـئ كافـة القـوى ضمـن تـوازن يخلـق المزيـد مـن فـرص التقـدم.
ويتعلق الأمر بدولـة اسـتراتيجية، دولـة حاميــة، دولــة ضابطــة تحــرر طاقــات مختلـف الفاعليـن وتضمــن لهــم الاســتقلالية في التصـرف وتحملهم المسـؤولية، وتتيـح الإطـار المناسـب لتعبئـة كل الطاقـات فـي خدمـة تنميـة البلاد والمنفعة المشـتركة والصالح العـام، يقابلهـا مجتمـع يحشـد كل طاقاتـه ويسـتغل فـرص المشـاركة الواسـعة بـروح مـن المسـؤولية.
مجتمـع تعـددي، يحافـظ ويثمـن غنـى تعدديتـه. مجتمـع يسـاهم فيـه الجميـع مـن أجـل المنفعـة المشـتركة ويحـرص علــى الحفــاظ عليهــا، كمــا يساهم بذكاء جماعي في إيجاد الحلول بشكل يتناســب مــع درجــة تعقــد المجموعـات المكونـة لـه؛ مجتمـع يمسـك بزمـام مصيـره بـروح مـن المسـؤولية والمواطنـة وبدعـم تشـاركي مـع دولـة متشـبتة بتحقيـق الأهـداف المنشـودة. وفــي إطــار هــذا التوجــه يتعيــن علــى الدولــة المركزيــة أن تحــرص علــى التكامــل والتــوازن الخلاق بيــن السياسـات الوطنيـة المعتمـدة والممتـدة فـي الزمـن، مـن جهـة، وتعزيـز الديناميـة المحليـة، مـن جهـة أخـرى، هـذه الديناميـة، التـي ينبغـي أن تسـتفيد مـن مزيـد مـن هوامـش التصـرف، مواتيـة للتجريـب والابتـكار وانبثاق نجاحـات فاعليـن رائديـن للتغييـر علـى المسـتوى المحلـي. ويتوافــق هــذا التوجــه مــع المبــادئ والقيــم التــي كرســها دســتور المملكــة والتنظيم الذي حدده للسـلطات الدسـتورية. كمـا تؤكـد علـى الحاجـة إلـى تقـارب وتـآزر جهـود الفاعليـن فـي إطـار مقاربـة تعبويـة قائمـة علـى شـراكة مفتوحـة وعلـى تنظيـم للدولـة يكـرس الجهـة كفاعـل للتقـدم ولتعبئـة طاقـات التنميـة الوطنيـة، فـي نطـاق تنـوع مؤهالتهـا وثروتهـا الجماعيـة.
وبحسب التقرير فإن المغرب يتميـز بنظـام سياسـي يسـمح بتقليـص التوتـر بيـن المسـتويات الزمنيـة، وبجمـع المزايـا التــي يكفلهــا وجــود المؤسســة الملكيــة كضامــن للهــدف المنشــود المحــدد مــن طــرف الجماعــة الوطنيـة، إلـى جانـب الفاعليـن الآخريـن المتنافسـين بشـكل ديمقراطـي مـن أجـل رسـم المسـارات للوصــول إلــى هــذا الهــدف. ويؤكد التقرير أن التوجـه المقتـرح لا يعنـي دولـة أقـل بـل دولـة أفضـل تنصـب علـى ثلاث وظائـف أساسـية مـن أجـل تحريـر الطاقـات فهي دولـة ذات رؤيـة اسـتراتيجية بعيـدة المدى تتولـى تحديـد التوجهـات وأهـداف التنميـة وتعطـي معنـى للمشـروع الوطنـي الجماعـي والجامـع، وتعبـئ جميـع القـوى وتدعـو إلـى تحريـر الطاقــات حــول مشــروع ذي غايــة واضحــة وبينــة.
وهي ثانيا دولــة حاميــة وضابطــة تقــوم بوظائفهــا الســيادية لضمــان أمــن المواطنيــن وممتلكاتهــم وتعمـل علـى تقليـص مجـال عـدم الأمـان الفعلـي أو المفتـرض وتحمـي الحريـات والتعدديـة وتسـمح لـكل الطاقـات بالتعبيـر وفقـا لقواعـد شـفافة تحمـل المسـؤولية، ممـا يعـزز ترسـيخ مبـادئ سـيادة القانـون والحكامـة الجيـدة. وهي ثالثا دولـة فعالـة، قـادرة علـى إعمـال السياسـات العموميـة وتقديـم النتائـج للمواطـن فـي انسـجام مـع الطمـوح والأهـداف المعلنـة وتوافـق مـع الطابـع الاسـتعجالي الـذي أفرزتـه الأزمـة الصحيـة المرتبطـة بكوفيـد-19. ما يتطلب أيضا تعزيـز الفعاليـة، بشـكل خـاص، واعتمـاد مبـادئ جديـدة للعمـل كفيلـة بتحقيـق أحسـن النتائـج، تتجلـى فـي القيـادة بواسـطة النتائـج والأثـر علـى المواطـن ممـا يفسـح المجــال بشــكل واســع للتجريــب والابتــكار.
ويؤكد التقرير أن الأمر يتعلق إجمـالا بدولـة أكثـر قـوة، تسـتمد قوتهـا مـن قدرتهـا علـى التوجيـه والتدبيـر والتسـيير بانسـجام مـع أفـق منشـود واضـح وجلـي للجميـع، ووفقـا لكيفيـات تتـلاءم مـع التعقيـد والتقلـب اللذيـن يتسـم بهمـا عصرنـا الحالـي. ويسـتلزم هـذا التغييـر تعزيـزا ملموسـا لقـدرات الدولـة للقيـام بهـذه الوظائـف الرئيسـية وكـذا لقيـادة التغييـر.
