في وقتٍ يحرص فيه المغرب الرسمي على تسويق صورة مجتمع حداثي، يراهن على تمكين المرأة وإصلاح المنظومة الحقوقية، عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة الجدل بتصريحاتٍ اعتُبرت مناقضة لروح هذا التوجه.
ففي لقاء حزبي نظمه السبت 5 يوليوز بمدينة أكادير، دعا بنكيران النساء، وبشكل مباشر، إلى التخلي عن “أوهام” الدراسة والعمل والتوجه نحو الزواج، الذي وصفه باعتباره “الخيار الأجدى”.
هذا التصريح، الذي قد يبدو في ظاهره بسيطًا أو “عفويًا”، يفتح الباب واسعًا أمام أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بمكانة المرأة في المخيال السياسي لبعض التيارات المحافظة، وحدود الخطاب السياسي حين يتقاطع مع قضايا النوع الاجتماعي.
ما قاله بنكيران لا يمكن قراءته فقط كمجرد زلة لسان أو “خرجة إعلامية” اعتادها المغاربة من شخصية مثيرة للجدل، بل يبدو وكأنه يعكس رؤية أيديولوجية صلبة، ما زالت تحصر المرأة في أدوار تقليدية، وتُقصيها من دوائر الفعل العمومي والمشاركة الوطنية.
هذا الطرح يتعارض بوضوح مع سياسات الدولة في العشرية الأخيرة، خاصة في ظل الإصلاحات المرتبطة بمدونة الأسرة، والمبادرات الداعمة لتعليم الفتيات في العالم القروي، وتوسيع حضور النساء في مراكز القرار السياسي والإداري.
وإن الدستور المغربي، منذ تعديله سنة 2011، ينص صراحة على مبدأ المساواة بين الجنسين، ويلزم الدولة باتخاذ تدابير إيجابية لضمان هذا التوازن. غير أن مثل هذه التصريحات، حين تصدر عن فاعل سياسي شغل منصب رئيس الحكومة، تطرح إشكالًا كبيرًا: هل نحن أمام خلل في الالتزام بالدستور، أم أمام صراع خفي بين “الدولة” و”الثقافة العميقة” التي يمثلها جزء من الطبقة السياسية؟
الأخطر من التصريح نفسه هو ما يكشفه من مقاومة داخلية لبعض مكتسبات النساء، التي جاءت نتيجة نضال طويل، قادته حركات نسائية، ودُعم بتوجيهات ملكية واضحة تدعو إلى انصاف المرأة وتمكينها، خاصة في سياق التحولات التيجج يعرفها العالم من حولنا.
والمؤكد أن الأيام القادمة ستشهد موجة من الردود الغاضبة، سواء من الفاعلات الحقوقيات أو من المواطنات اللواتي يرون في هذه التصريحات إهانة لمسارهن الشخصي والمهني. لكن الأهم، هو أن تساهم هذه الضجة في تجديد النقاش حول علاقة الدين بالسياسة، والحدود التي يجب أن تقف عندها “الوصاية الأخلاقية” للسياسيين على خيارات الأفراد، خاصة النساء.