برامج الفدية: العملات المشفرة كسلاح فتاك

العملات المشفرة، تلك العملات الرقمية التي قلبت التمويل التقليدي رأسا على عقب، وجدت نفسها مؤخرا في مركز الاهتمامات؛ ولكن ليس لسبب يبعث على التفاؤل. فبالإضافة إلى التقلب الشديد الناجم، من بين أمور أخرى، عن أدنى خرجة إعلامية لإيلون ماسك، الرئيس غريب الأطوار لشركتي “تيسلا” و”سبايس إيكس”، والذي يعد مع ذلك من أشد المدافعين عن البيتكوين وما شابه؛ فإن الأصول المشفرة تعاني أيضا من سخط الأبناك المركزية التي تشعر بالقلق جراء طبيعتها المضارباتية التي تشكل خطورة على الاستقرار المالي والاقتصاد بشكل عام.

وتسبب تنامي الهجمات الإلكترونية لبرمجيات الفدية في تعميق الأزمة، حيث يطالب مجرمو الإنترنت غالبا بالدفع بالعملات المشفرة. ففي الولايات المتحدة، وأماكن أخرى، يعد الاستخدام التدليسي لهذه العملات الافتراضية مدعاة للقلق.

وسيكون موضوع برامج الفدية، وفقا للبيت الأبيض، على جدول أعمال القمة الأولى بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في 16 يونيو الجاري بجنيف. وتوجه واشنطن أصابع الاتهام للمنظمات الإجرامية التي يعتقد أن مقرها في روسيا، للاشتباه في وقوفها وراء الموجة الأخيرة من الهجمات البارزة على مجموعات أمريكية كبرى.

ومع ذلك، فإن النشاط الاحتيالي المتعلق بالعملات المشفرة ليس جديدا. كما وجهت دوائر الجريمة والمخدرات والإرهاب والتهرب الضريبي أنظارها صوب هذه العملات البديلة.

ويعتبر الدفع بالعملات الافتراضية أسرع وأسهل وقبل كل شيء مجهول الهوية ويصعب تعقبه غالبا. وكانت الصين واحدة من إحدى معاقل البيتكوين، وهي أكثر هذه العملات انتشارا. لكن بكين اتخذت منعطفا جذريا في سنة 2019 من خلال منع الدفع بالعملات المشفرة، المتهمة بأنها أدوات في خدمة الأنشطة الإجرامية.

وبالنسبة للشركات والمؤسسات الكبيرة، أصبحت برامج الفدية كابوسا، حيث يقوم القراصنة بتثبيت برامج عن بعد على جهاز كمبيوتر لجعل البيانات غير قابلة للقراءة قبل المطالبة بفدية لاستعادتها. وغالبا ما يكون الدفع الناتج المطلوب في المقابل هو العملات المشفرة. وفي تصريح للإذاعة العمومية “إن بي آر”، قال جوناثان ستريم-أميت، المؤسس المشارك لشركة “سايبريزن”، وهي شركة أمن معلوماتي مقرها في بوسطن: “لديك الآن القدرة على نقل ملايين الدولارات بالعملة المشفرة عبر الحدود الوطنية في بضع ثوان”.

وتابع أن الأمر يتعلق “بأداة فعالة جدا بين أيدي المجرمين لتبييض الأموال، ونقل العملات من دولة أخرى بطريقة لايمكن تعقبها وغير قابلة للمراقبة على الإطلاق”. وفي الولايات المتحدة، يحتل هذا النوع من الهجمات المعلوماتية عناوين الأخبار السياسية والاقتصادية.

ففي غضون شهر، تعرضت مجموعتان رئيسيتان لمثل هذه الهجمات مع تداعيات واسعة النطاق على أكبر اقتصاد في العالم. وأصيب نظام خط أنابيب ضخم، “كولونيال بايبلاين”، بالشلل في أوائل ماي، مما أدى إلى تعطيل توزيع الوقود في أجزاء كبيرة من شرق البلاد لمدة أسبوع تقريبا.

وأثارت القضية توافدا كبيرا على محطات الوقود وموجة من الذعر. وق ب ل جوزيف بلونت، الرئيس التنفيذي لشركة “كولونيال بايبلاين”، بدفع فدية قدرها 4.4 مليون دولار لمجموعة “دارك سايد” ومقرها على الأرجح في روسيا لاستعادة الخدمة من جديد. كما تم استخدام نفس العملية ضد عملاق اللحوم العالمي “جي بي إس”. وأجبر الهجوم الإلكتروني على إغلاق مصانعها في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. واعترف رئيس الفرع الأمريكي للمجموعة، أندريه نوغيرا، بدفع 11 مليون دولار من البيتكوين للقراصنة، وهو “قرار صعب ولكنه حتمي”.

ويعتقد البعض أن الزيادة في هجمات برامج الفدية هذه ترجع جزئيا إلى مواقف الضحايا، الذين يسارعون في دفع الفدية لاستعادة السيطرة بسرعة على بياناتهم وأنشطتهم. وكما هو الحال في جميع حالات الابتزاز الجنائي، لا تشجع السلطات على دفع الفدية وترفض بعض الأطراف الاستسلام.

ولكن القرار النهائي يقع على عاتق الشركات والمؤسسات المتضررة. ويفضل الكثيرون دفع الفدية واستئناف العمليات بدلا من الإغلاق المطول مع المزيد من المخاطر المضرة بشكل أكبر.

وفي هذه المعركة، أحرزت السلطات الأمريكية للتو نصرا باسترداد 2.3 مليون دولار من العملات المشفرة التي دفعتها شركة “كولونيال بايبلاين”. وفي هذه القضية التي سلطت عليها الأضواء بشكل كبير، يشير الخبراء إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد حشد موارد كبيرة لتعقب متاهة من حسابات العملات المشفرة. وبمجرد تحديد حسابات القراصنة، طلب المحققون إذنا من المحاكم للحجز على الأموال.

ويبقى التحدي هو معرفة ما إذا كانت السلطات قادرة على تخصيص الكثير من الموارد لكل هجوم من هجمات طلب الفدية، في الوقت الذي تطرح فيه الجرائم الإلكترونية وبرامج طلب الفدية مخاطر على الشركات والمؤسسات في البلدان الصغيرة والكبيرة، لا ينبغي أن يكون دفع الفدية بمثابة أفضل دفاع في مواجهة بلاء متنام.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...