العالم24, رأيت فيما يرى النائم رجلا مهيبا طويل القامة، عريض المنكبين بسحنة مغربية أصيلة في المنام، ارتعبت ظانا أنه كارل ماركس الذي بسبب لونه الشبيه بالمغاربة كانت زوجته جيني والقريبين منه ينادونه “بالمغربي” مداعبين له. ارتعبت وقلت له ماذا تريد مني في هذا الليل البهيم، ابتسم وقال ألى ترى أنه لا لحية لي، أنا محمد عابد الجابري.
انفرجت أساريري وشعرت براحة أكبر وقلت له أستاذي ومعلمي أسألك.
قال: سل ما بدى لك.
قلت له ما الحسن؟
قال ما حسن في الشرع.
قلت وما طريق العقل إلى ما حسن في الشرع؟
قال: علوم البيان المستمدة من الشرع واللسان: علم الكلام وعلم أصول الفقه وعلوم اللغة.
قلت ثم ماذا؟
قال ما حسن في العقل.
قلت: وما السبيل إلى معرفة الحسن عقلا؟
قال: علوم البرهان التي أسسها أرسطو وقعدها ابن رشد.
قلت ثم ماذا؟
قال ثم لا ثم….
فلا سبيل إلى بناء دولة العقل في الإسلام إلا هذين الطريقين، فالعرفان الشيعي والغنوص المانوي والتصوف هو طريق الجهل واللاعقل والتخلف والظلام، فبهذه الطريق استقال العقل الإسلامي وسقط في التخلف.
قلت: يا سيدي هذا لا ينهض جوابا، ألا ترى أنه لولا المراقبة الدقيقة للسماء ووضع الجداول الفلكية من المانوية وغيرهم لما تقدم علم الفلك النظري، ولولا ما تقوله عن العرفان الشيعي لما تقدمت الرياضيات ولا عرفنا شيئا يسمى التحليل التوافقي الذي يضبط عمل الدماغ، ولولا نظرية الفيض الأفلوطينية التي في نظرك لا عقلية، لما اخترقت الهندسة الجبر وقدمت لنا بفضل عمر الخيام الهندسة التحليلية، ولولا توصل المتصوفة إلى كون العجز عن الادراك إدراك الذي هو رسم لحدود العقل التي هي الانسان والطبيعة، وترك للعوالم الأخرى التي يعجز الانسان عن إدراكها للإيمان لما تقدم علم التاريخ مع ابن خلدون والفلسفة مع ديكارت والفيزياء مع جاليلي، وهذا غيض من فيض مما أهملته ووسمته باللاعقل والظلام. ألا ترى يا أستاذنا أن الأنظمة الفكرية أنساق هي فعلا متمايزة ولكنها متصلة لا منفصلة كما تقول، فالعقل الجمعي ـ بالرغم من الاختلاف ـ عقل واحد وهو يصنع تاريخه.
فنظر إلي غاضبا وقال: ثكلتك أمك وعدمك يا هذا. أنا مفكر مجتهد معانق لقضايا الأمة، لا رسول يتنزل عليه الوحي من السماء. بعد توالي الهزائم والنكسات والنكبات، كانت مسؤوليتي احداث صدمة عنيفة بالعقل الإسلامي للاستيقاظ قبل فوات الأوان، كما يفعل الطبيب النفسي بعقل المريض، فعندما تعجز الأدوية يصدمه بالكهرباء، والمعرفة تبنى جيلا بعد جيل، فالمسؤولية مسؤولية هذا الجيل الكسول الذي عليه تطوير ما أنجزناه والسير به إلى نهاية الطريق لأن المعرفة تبنى عصرا بعد عصر، لعلنا نستيقظ ونفيق.
نظرت إليه نظرة بلهاء وصحت فيه: يخرب عقلك يا شيخ، لماذا أتعبت نفسك واجهدت بنانك، ألا ترى أنهم استطابوا الدعة والنوم، وكل من حاول ايقاظهم ذبحوه، حتى من الديك الذي يوقظهم في رمضان ويضبط لهم وقت صلاة الفجر والسحور، صادحا مسبحا بعظمة الرحمان، جزاءه الذبح يوم العيد ثم يريشونه ويمخمخون عظامه ولا يتركون منه شيئا. وحتى أرجل الدجاج لا تسلم عندهم من الطحن والأكل، وعندنا الأساتذة لا يستخدمون عقولهم في الأقسام بل أرجلهم في الشوارع للركض والفرار.
لله درك يا معروف الرصافي الشاعر الملهم الذي لم يزعج نفسه ولا أحرق أعصابه فكتب يقول:
ناموا ولا تستيقظوا …. ما فاز إلا النٌوَمُ
ثم عدت إلى نومي اللذيذ، وأنا أردد مع نفسي: النوم والكسل …. أحلى من العسل.
