العالم24 – ادريس الجاي
لفضاء المقهى سحر خفي، جاذبية مدثرة في ثنايا مغرية، إنها تسيج روادها، تأسرهم في حبالها الحالمة المؤجلة. يجذبهم بريقها، فيصيرون كحشرات منساقة بدوافع فطرية إلى ضوء الشموع الحارقة. إنها فضاءات تجمع الأضداد وتلاقي المتناقضات. الوهم والحقيقة، الحلم والواقع، الخيال واليقين، الحلو والمرارة، الشح والعطاء، السخاء والإحجام لبخل والتبذير، التروي والجنون. أمكنة يذوب فيه الزمن يتحلل إلى شظايا تذوب في دورة الزمن في وعاء النسيان. خانات لا تخلو منه التجمعات السكنية ولا الملتقيات البشرية في البدو كما في الحضر. فمثلما تعددت المقاهي زمانا ومكانا، تشعبت وظائفها وهوياتها من حي إلى حي ومن وسط إلى آخر.
لقد وجدت هذه الفضاءات المائجة بالوافدين والراحلين وتوجد في كل مكان في العالم بأسماء وعناوين متفاضلة. في فضاءات المقاهى يجتمع اللاهون، المتربصون الحائرون والضائعون، الضالون والمضللون والبسطاء والمتجسسون. حيز للانتظار، للخروج من دورة الملل، الهروب من ثقل أوزار القارعات أو طي الفراغ أو للمطالعة أو للكتابة أو لقراءة البروج وفك ألغاز المتقاطعة أو لرصد العورات وتتبع السوءات أو لعقد الصفقات أو للبحث عن ضحايا أو البيع والشراء أو لتداول الترهات أو التملي بمشاهدة المارين من رجال ونساء. فكل ما يستهلك في هذا المكان، من شاي وقهوة ونرجيلة أو شيشة أو مشروبات غازية وطبيعة أو عصائر أو حلويات، إن هو إلا بطاقة عبور إلى هذه الفضاءات وورقة حق المكوث فيه لفترة زمنية غير محددة قد تطول إلى الساعات وقد تتقلص إلى لحظات. إنها تتيح أحيانا إمكانية هدأة استراحة ممدة وأخرى قلقة مشفوعة بالانفعال وشد الأعصاب.
إنه مكان الخروج عن المألوف والقيد والشروط. فالمقاهي التي تقدم إمكانية مشاهدة مباريات كرة القدم عبر القنوات الفضائية، مثلا، تفسح لمشاهدي هذه الرياضة مجال الانفعال الشتم والهتاف وملء الحناجر صراخا دون حسيب ولا مراعاة للنظم المعهودة في الفضاءات الخاصة. وأخرى تتيح أجواء لحظات ناعمة رومانسية انسيابية تتقارب فيها لمسات العشاق تحت أنوار الشموع أو الأضواء الخافتة وترانيم الألحان الحالمة.
لقد عرفت المقاهي تطورات، سواء على مستوى الشكل أو المضمون؛ فقد كانت في الماضي تمثل نوادي عمومية للتواصل الاجتماعي بين الفئات المختلفة، يرتادها الزبناء لجمع وتبادل الأخبار والاطلاع على المستجدات سواء في دائرة الحي أو في الأماكن البعيدة. كما مثلت طقوسا يومية بالنسبة للبعض، وثالث ثالوث يومي بالنسبة للبعض الآخر.
ثالوث زواياه البيت والعمل والمقهى. فكثير من المقاهي لها زبناؤها القارون تبعا للأحياء التي يوجدون بها. وزياراتهم روتينية متعددة في اليوم نابعة من إدمان خفي ملح غير مفهوم. ربما لكسر رتابة ثقل الحياة الأسرية أو العمل أو البطالة العلنية والمقنعة. فبعض رواد المقاهي لهم إيقاع رتيب يومي، أسبوعي، شهري وسنوي متكرر لا يحيدون عنه أبدا. نفس توقيت الدخول إلى المقهى، نفس الطاولة، نفس الكرسي، نفس المشروب، نفس الجريدة ونفس وقت مغادرة المقهى. هناك مقاه أدبية، مجالات عرض الإنتاجات الجديدة والتشاور حولها ونقاشها، وأخرى خاصة بلعب الأوراق أو الشطرنج أو النرد أو الضامة أو القمار. وأخرى للحرفيين والعمال.
في العهود القديمة وحتى اليوم، نجدها تتمركز عند بوابات مداخل المدن العتيقة أو عند محطات السفر أو بالقرب منها. فقد تكونت قديما العلاقة بينها وبين أماكن انطلاق المسافرين أو وصول الوافدين على المدن والتجمعات السكنية. فكثيرا ما نجدها تجاور محلات الغذاء السريع مثل دكاكين الإسفنج ومحلات الشواء من كفتة وكباب. كما يتجلى ذلك في المدن العريقة، مثل فاس القديمة وغيرها من المدن الأخرى في كل العالم. لقد ارتبطت المقاهي قديما بساحات انطلاق القوافل أو وصولها وبالموانئ البحرية. وهذا الالتصاق ما زال متواصلا إلى اليوم.
إن باب بوجلود مثلا يجسد ذلك التلاقي بين السفر والغذاء والمقهى؛ فقد اشتهرت بمقاهيها لعشرات السنين مثل مقهى “الكلالي” ذات الصيت الذائع، بموقعها بين بوابة بوجلود وأحد أشهر حمامات فاس حمام المرنيسي وتحفها دكاكين للأكل ومطاعم شتى وتظللها أشجار التوت العريقة. كان يرتادها، من بداية القرن الماضي وإلى السبعينيات منه، ثلة من الأعيان وأرباب المهن (المعلمين) وبعض المثقفين. فقد اشتهرت بشايها المنعنع وفسحتها المنفتحة على الشارع، حيث لا مناص لكل وافد من الطالعة الصغيرة أو من البطحاء من العبور منه بغرض مغادرة المدينة العتيقة عبر بوابتها الشهيرة باب بوجلود. وكذلك مقهى الخطابي المحاذية تمام للباب من الجهة اليمنى، الذي يمثل مكان استراحة الغرباء عن المدينة. غير بعيد عن هذه المقهى كانت هناك مقهى صغيرة تعرف باسم “مقهى بن سلام” يجتمع فيه شيوخ الملحون، سواء القاطنون منهم في المدينة الإدريسية القديمة أو في المدينة المرينية الجديدة، كنادي للحوار والمطارحات والمجادلات الشعرية الملحونية، شعراء مثل العيساوي الفلوس أو أحمد سهوم أو منشدون مثل علال بن دريس أو عبد الكريم كنون أو حسينة. كما كانت علاوة على ذلك مكتب شغل الأشياخ، يأتيه كل من له مناسبة زواج أو ختان أو عقيقة لاختيار الشيوخ الذين سيحيون له الحفل.
من بين مقاهي الحرفيين مقهى البستيونية (كلمة إسبانية جاءت مع الوافدين الأندلسيين وتعني الحصن bastión ) مقهى شبه حكر على الجزارة، تحتل مكانا يفضي إلى سوق جزارين الرصيف مباشرة.
إنهم يجتمعون غالبا في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس استعدادا للانطلاق إلى “الكرنة”، المجزرة (كلمة الكرنة أي القرنة، وقد اشتقت من قرون المواشي المذبوحة هناك في المجزرة.) إنهم يجلسون غالبا خارج المقهى على قارعة الشارع، بظهور مسنودة إلى الحائط وبدون كراس كنوع من استعراض قوة التحمل الجسمية؛ وإذا ما اقتضى الأمر وكان فيهم مسنون جلسوا على كراس جد واطئة.
في مدخل باب فتوح، كانت هناك مقهى خارج سور المدينة يرتادها الحكواتيون وأصحاب الفرجة والحلايقية. ومن كثرة ولع صاحبها الجيلالي بالحكاية والحكواتيين، وخاصة أحد أشهرهم واسمه الجناتي، كان يحمل عدة إعداد الشاي ويلحق بهم إلى مكان عروضهم وحلقاتهم الحكواتية بمدخل صهريج كناوة، حيث يزود جمهور الحلايقية بالشاي.
اشتهرت مقاهي دمشق بحكواتيها، الذين كانوا يسامرون الناس بحكايات الزير سالم وأبي زيد الهلالي. وعرفت فاس مثيلاتها كمجال للحكاية الشعبية العنترية والإسماعيلية والأزلية مثل مقهى جبيلو في عقبة القايد الخمار. فمثلما فتحت الحلقة لهذه المهن والهوايات فضاءات التوسع في السرد والحكاية، فقد استهوى عالم المقاهي عددا كبيرا من الأدباء شرقا وغربا الذين وظفوا هذا العالم الثر بالأحداث اليومية في أعمال أدبية؛ مثل نجيب محفوظ في “زقاق المدق”، ومحمد شكري في “الخبز الحافي”، وبول بولز في محكياته عن طنجة، وقائمة الأعمال العربية والعالمية طويلة.
كانت المقهى مكان أنس وبهجة وترويح عن النفس وفرجة. شعور جسدته بعد ظهيرة كل يوم الجمعة فضاء مقهى العوادين في فاس القديمة وهي تتحول إلى أجواء طرب لموسيقى طقطوقة الجبلية. ومقهى رحبة الزبيب إلى ميدان تباري شيوخ الملحون طيلة الليلي الرمضانية. ومقهى المشاطين، التي يرتادها في الغالب الدباغون ويحولونها إلى مزيج بين الطرب والحكاية. ومقاهي جنان السبيل على جنبات الغدير وناعوراته المائية، ومقهى السطنبولي في حديقة الملاح، مجالات لعشاق كلاسيكيات عبد المطلب، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، زهرة الفاسية، اسمهان، فريد الأطرش، الحسين السلاوي وبوجمة الفروج وغيرهم.
لقد تنوعت اليوم المقاهي وتنوعت مواد عروضها، بين مقاه خاصة بالشاي والقهوة، وأخرى تجمع بين المقهى والمطعم، وأخرى تضيف إلى المشروبات الغازية أو العصائر الحلويات أو غير هذه تقدم الأكلات الخفيفة.

