بنسعيد يرسم ملامح مرحلة إعلامية جديدة.. تعديلات دستورية، تمويلات قوية، وحقوق مجاورة تعيد الاعتبار للصحفي

قدّم وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد رؤية شاملة لإعادة ترتيب البيت الإعلامي الوطني، من خلال أربع لبنات اعتبرها أساسية في هذه المرحلة: تعديل الإطار القانوني المنظم لعمل المجلس الوطني للصحافة، وضمان استمرارية هذه المؤسسة خلال الفترة الانتقالية، وتفعيل الحقوق المجاورة لفائدة الصحفيين عبر المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، ثم إرساء منظومة جديدة للدعم العمومي ترفع الغلاف المالي المخصص للقطاع إلى حوالي 240 مليون درهم مع تمييز إيجابي لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة.

وأوضح بنسعيد أن مشروع القانون رقم 26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة جاء بعد نقاش مطوّل وملاحظات من المحكمة الدستورية التزمت الحكومة بتنزيلها، حيث تم حذف العضوين المُسمَّيين من فئة “الناشرين الحكماء” من الفقرة (ب) من المادة الخامسة، واعتماد صياغة جديدة تضمن تخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء داخل كل منظمة مهنية ممثلة في تركيبة المجلس، إلى جانب إعادة صياغة المادة 4 لملاءمتها مع التعديلات الواردة على المادة 5، وتعديل المادة 49 لاعتماد نظام تمثيلي يقوم على مبدأ التناسب في توزيع المقاعد بحسب النتائج الانتخابية، بما يعكس الأوزان الحقيقية داخل صناديق الاقتراع ويُرسّخ شرعية تمثيلية أوضح داخل المجلس.

وفي ما يتعلق بالفترة الانتقالية، كشف الوزير أن الحكومة ناقشت في مرحلة أولى خيار إحداث لجنة مؤقتة تضم قاضيًا وممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبعض الخبراء، غير أن الرأي استقر في النهاية على اعتماد مبدأ “استمرارية الإدارة” دون اللجوء إلى مرسوم قانون جديد، بالنظر إلى أن المسار التشريعي للنص لن يتجاوز في أقصى الحالات خمسة إلى ستة أشهر ما بين مجلسي النواب والمستشارين وإدخال التعديلات الممكنة من طرف الأغلبية والمعارضة. وبناءً على هذا الاختيار، ستستمر الإجراءات العادية للمجلس، بما في ذلك إصدار وتجديد البطاقة المهنية، في أفق عودة مجلس مُنتخب في إطار قانون معدل ومستقر، مع تجنّب خلق أجهزة استثنائية قد تُثير نقاشات إضافية حول شرعيتها. وفي محور موازٍ، أعلن بنسعيد عن تفعيل المقتضيات القانونية الخاصة بالحقوق المجاورة المرتبطة بالمضامين الصحفية، موضحًا أن المكتب المغربي لحقوق المؤلفين راكم، خلال الأشهر الأخيرة فقط، غلافًا ماليا يقارب ثلاثة مليارات سنتيم موجهة لحقوق الصحفيين والمقاولات الإعلامية، حيث ستستفيد المقاولات من حوالي 30% من هذا المبلغ، فيما يُخصَّص الجزء الأكبر مباشرة للصحفيات والصحفيين وفق انتشار وتأثير المواد التي يوقعونها، مع التأكيد على أن الأمر يتعلق بـ“حق مجاور” وليس بأجر أو تعويض تقليدي، وعلى المقاولات الإعلامية والصحفيين الإسراع في الانخراط في المكتب للاستفادة من هذه الإمكانات الجديدة التي من شأنها تحسين وضعهم الاجتماعي والمهني والاعتباري.

أما بخصوص الدعم العمومي، فأكد الوزير أن الحكومة انتقلت من منطق الدعم الاستثنائي المرتبط بجائحة “كوفيد-19”، والذي اتخذ شكل مساهمة مباشرة في رواتب الصحفيين لتفادي انهيار عدد من المقاولات، إلى منظومة هيكلية جديدة ترفع الغلاف المالي من حوالي 64–65 مليون درهم في السابق إلى ما يقارب 240 مليون درهم، مع توجيه جزء مهم منه نحو المقاولات الجهوية والمحلية والصغرى والمتوسطة عبر نسب دعم قد تصل إلى 50% لفائدتها، مقابل نسب أقل للمقاولات الكبرى، وذلك في إطار سعي إلى تكريس تعددية إعلامية حقيقية وتقوية النسيج الجهوي. وربط بنسعيد الاستفادة من هذا الدعم باحترام معايير دقيقة، من بينها التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والالتزام بالاتفاقات الاجتماعية التي تهم تحسين أجور الصحفيين، منبهًا إلى أن المقاولة التي لا تحترم هذه الشروط لن يكون بإمكانها الاستفادة في السنة الموالية “ولو رغبت الوزارة في ذلك”، بحكم التزام وزارة المالية بتطبيق مقتضيات القانون. كما أوضح أن الحكومة مدّدت العمل بالدعم الاستثنائي لرواتب الصحفيين لمدة ثلاثة أشهر إضافية، بعد تسجيل تأخر عدد من المقاولات الصغرى والمتوسطة في إيداع ملفاتها، ووجود حالات كانت مهددة بالتخلي عن جزء من طاقمها الصحفي، مؤكدا أن الهدف هو تأمين انتقال تدريجي نحو المنظومة الجديدة دون كسر مسار التجارب الإعلامية الهشة.

وفي السياق نفسه، شدّد بنسعيد على أن الدولة لا تفرض نموذجًا اقتصاديا جاهزًا على المقاولات الإعلامية، معتبرًا أن سوق الإشهار يظل مجالاً حراً يخضع لقانون العرض والطلب، وأن دور الوزارة ينحصر في فهم التحولات التي يعرفها هذا السوق في زمن الرقمنة وبروز المنصات العالمية، وليس التدخل المباشر لفرض خيارات على الفاعلين الاقتصاديين. في المقابل، أكد الوزير مركزية دور المؤسسات التمثيلية للصحفيين والناشرين، وعلى رأسها المجلس الوطني للصحافة، في تنظيم المهنة وتأطير أخلاقياتها وضمان التكوين المستمر، مبرزًا أن “رأس مال أي مقاولة إعلامية هو الصحفي نفسه، وكيفية كتابته للمقال وبحثه عن المعلومة ومواكبته للتحولات المجتمعية”. وختم بنسعيد بالتشديد على أن المغرب في حاجة إلى إعلام قوي وفاعل، وطنيا وإقليميا ودوليا، حتى يُسمَع الصوت المغربي في القضايا العادلة وملفات السيادة والصورة الخارجية للوطن، داعيًا مختلف الفاعلين إلى الانخراط في هذه الدينامية الجديدة التي تراهن على التوازن بين الاستقلالية المهنية، والنجاعة الاقتصادية، والحماية الاجتماعية للصحفيين والصحفيات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...