في سياق عالم متغير يتطلب جاهزية مستمرة واستباقاً للتحديات، يبرز المغرب كحالة فريدة في المنطقة بفضل مؤسسة عسكرية تزداد قوة وتنظيماً، هي القوات المسلحة الملكية.
ومن خلال الذكرى التاسعة والستين لتأسيسها، لا يحتفي المغرب فقط بماضٍ مجيد، بل يستعرض أيضاً مساراً مستقبلياً يقوم على التجديد والاستثمار الذكي في العنصر البشري والقدرات التقنية.
فالمؤسسة التي انطلقت سنة 1956، اليوم تقود نهجاً متسارعاً في التحديث والتأهيل، ما يجعلها رقماً وازناً في معادلات الأمن والدفاع الإقليمي والدولي.
إن اقتناء المروحيات الهجومية المتطورة من طراز أباتشي AH-64 لم يكن مجرد صفقة عسكرية، بل تعبير صريح عن تحول استراتيجي يرمي إلى تمكين المؤسسة من أدوات الردع الحديثة، وتجسيد الرؤية الملكية في بلوغ سيادة صناعية دفاعية. هذه الرؤية لا تنفصل عن جهود ترسيخ صناعة عسكرية وطنية قادرة على الإسهام في الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
لكن الوجه الآخر لهذا التطور لا يقل أهمية، فالبعد الاجتماعي في استراتيجية القوات المسلحة يترجم العناية الملكية المستمرة بعناصر المؤسسة. الآلاف من الوحدات السكنية المنجزة والمخصصة للإيجار أو التمليك، ومبادرات تمليك البقع الأرضية للمحاربين القدامى، كلها تشي بمقاربة إنسانية تؤمن بأن الاستقرار النفسي والاجتماعي للعسكريين جزء من صلابة المؤسسة.
كما أن البرنامج الاستثماري الطموح للسنوات المقبلة سيعزز من هذا المسار، مع إشراك رمزي لعائلات الشهداء في عملية “الشهداء”، تعبيراً عن التقدير والعرفان.
ولأن الرهان على الشباب بات خياراً استراتيجياً، تواصل الخدمة العسكرية استقطاب فئات واسعة من الجيل الجديد، ليس فقط من منطلق الواجب الوطني، ولكن أيضاً باعتبارها منصة تأهيل مهنية حقيقية. فهذه التجربة أصبحت مختبراً عملياً يغذي سوق العمل بكفاءات منضبطة ومؤهلة، كما تمنح الشباب فرصة لصقل شخصيتهم ضمن إطار من القيم والانضباط.
أما على المستوى الخارجي، فقد رسخت القوات المسلحة الملكية موقعها كفاعل دولي ملتزم بالسلم والتعاون. فمشاركاتها في عمليات حفظ السلام ومساهماتها في تكوين الخبراء الدوليين من خلال مركز ابن سليمان، تجعل من المغرب حليفاً موثوقاً وشريكاً في استتباب الاستقرار. ويظهر هذا التموقع بشكل جلي في التمارين العسكرية الكبرى، وعلى رأسها تمرين “الأسد الإفريقي”، الذي أصبح محطة سنوية يتقاطع فيها التمرين العسكري مع الرسائل الجيوسياسية.
ولا تقتصر الرؤية الملكية على البعد العملياتي، بل تمتد نحو العمق المعرفي عبر إطلاق المركز الملكي للدراسات وأبحاث الدفاع، مؤسسة تُرسي أسس التفكير الاستراتيجي وتوفر فضاءً لتحليل التحديات الأمنية وفق مقاربة علمية وعملية.
فبهذا الزخم المتعدد الأبعاد، تقدم القوات المسلحة الملكية نموذجاً لمؤسسة متجذرة في التاريخ، منفتحة على المستقبل، وملتزمة بلا تردد بقضايا الوطن، حيث يشكل ولاؤها الدائم للعرش والوطن بوصلة لا تحيد عنها.
