العالم 24.احتل التوتر الذي طرأ على العلاقات السعودية – المصرية، قدرا كبيرا من الاهتمام السياسي والإعلامي في دول المنطقة وعواصمها، إذ بدا أن شهر العسل المديد الذي ميّز هذه العلاقات خلال العشرية الفائتة، في طريقه للانتهاء، ليحل محله تراشق إعلامي “خشن”، انخرطت به شخصيات إعلامية وأكاديمية وازنة، وسط غياب ظاهر للمتحدثين الرسميين من كلا البلدين.
“زمن المساعدات المالية غير المشروطة ولّى”، هكذا تحدث وزير المال السعودي في “دافوس”، لكن الباب ما زال مفتوحاً للاستثمارات المشروطة بإصلاحات اقتصادية وتشريعية ذات مغزى … وما قاله الوزير السعودي بالعموم، وبصورة مقتضبة، سيفصله لاحقاً، عددٌ من الأكاديميين والإعلاميين المقربين من مركز صنع القرار في الرياض، ومن مكتب ولي العهد على وجه الخصوص.
“مصر فقدت نموذجيها الملكي والجمهوري”…هكذا تحدث تركي الحمد، فهي في عهدها الملكي، ومنذ زمن محمد علي باشا، قادت مشروعاً نهضوياً تنويرياً، وقدمت نموذجاً رائداً للمنطقة… وهي في زمن الثورة والناصرية، قدمت نموذجاً للطموح القومي ولزعامة العالم العربي … اليوم، مصر غارقة في ديونها وضائقتها الاقتصادية، اليوم، مصر لا تكف عن “تسوّل” المساعدات من هنا وهناك، وبتعبير آخر، اليوم مصر تتحول إلى “عبء” على حلفائها بدل أن تكون ذخراً لهم، وقاطرة تجر من ورائها بقية العالم العربي.
لا تتوقف الانتقادات عند حد، “التطاول” سيبلغ ذروته، باستهداف الرئيس السيسي و”حقبته” واستهداف الجيش المصري ذاته، واتهامه بابتلاع نصف الاقتصاد المصري والسيطرة عليه … هذه حال لا يمكن أن تستمر، والحل لها، بإصلاحات بنيوية عميقة، تنقل مصر من “الاعتمادية” إلى “الاعتماد على الذات”، وتعيد لدورها القيادي في العالم العربي وأفريقيا و”عدم الانحياز” و”التعاون الإسلامي”، بعضاً من ألقه المفقود.
لم يصمت الإعلام المصري كما كان متوقعاً حيال هذا “التطاول” على مصر ورئيسها وجيشها “خير أجناد الأرض”، فتحولت البرامج الإخبارية والحوارية إلى ساحات لتصفية الحسابات، ومنصات للتذكير بفضائل مصر على أشقائها، بمن فيهم شقيقاتها الخليجيات…المعركة على وسائل التواصل الاجتماعي أخذت منحى أكثر ابتذالاً بين الطرفين، ما ينذر في الحقيقة، أو بالأحرى ما يكشف، عن تدهور أعمق، خرج إلى السطح، ولم يبدأ على منصات الإعلام و”توتير”.
قبلها، كانت الأنباء من مصر تحمل خبر تباطؤ مصر في تسليم جزيرتي صنافير وتيران للجانب السعودي، بموجب اتفاق رعته واشنطن، وكانت إسرائيل طرفاً فيه…المراقبون رأوا في الموقف المصري، حتى وإن اندرج في باب “المناكفة”، تعبيراً عن الغضب لتلكؤ الرياض في مدّ يد العون للقاهرة لتمكينها من مواجهة واحدة من أعمق أزماتها الاقتصادية، وبالذات لجهة الانهيار المتسارع في قيمة عملتها الوطنية، ومصر كما هو معروف، باتت نقطة جذب للاهتمام السياسي والإعلامي، ودائماً تحت سؤال: هل يتكرر سيناريو يناير 2011؟
بين المال والسياسة
المتتبعون للحملة السعودية على مصر، لم يجدوا جديداً يذكر في فحواها ومضامينها، فمصر بدأت تفقد دورها القيادي الإقليمي، منذ إبرامها سلاماً منفرداً مع إسرائيل قبل أزيد من أربعة عقود، ليتآكل هذا الدور أكثر فأكثر، في الهزيع الأخير لحقبة الرئيس حسني مبارك الممتدة على مدى ثلاثة عقود من السنين، والاقتصاد المصري لم يعرف “البحبوحة” منذ أزيد من نصف قرن، ودور الجيش المصري، في السياسة والاقتصاد، لطالما نهض شاهداً عن “تغوّل” العسكري على المدني، وتمدد نفوذ الجيوش خارج إطار ولايتها المعروفة في دول العالم الثالث، فما الجديد الذي فاجأ الرياَض، وما الذي تغير، أو بالأحرى من الذي تغير؟
من تغير هو السعودية ذاتها، وهو تغير لم تلحظه كفاية، النخب السياسية والإعلامية في العالم العربي، وإذا كانت حقوق النساء وبرامج الترفيه والمشاريع الاقتصادية العملاقة، هي أكثر ما جذب الاهتمام واستحوذ على الأضواء، إلا أن التغيير الذي يقوده ولي عهد المملكة، ويطبع هذه الحقبة بطابعه الخاص، لا شك أعمق وأبعد مدى، مما يبدو على السطح.
من آيات هذا التغيّر، إعادة تموضع المملكة على خريطة العلاقات الدولية، فلم تعد المملكة تلك الدولة التي تنتظر توجيهات واشنطن لتشكيل مواقفها ورسم سياساتها وتقرير وجهة تحركها اللاحق… قبل أوكرانيا، وبالأخص بعدها، بدا أن الرياض تفضل “عدم الارتهان” لأولويات واشنطن وحساباتها، وأن علاقاتها مع بكين وموسكو، لم تعد محكومة بمقتضيات الاستراتيجية الأميركية، إذ في الوقت الذي تنظر فيه الولايات المتحدة إلى موسكو بوصفها التهديد المباشر الأكبر، حافظ محمد بن سلمان على صلاته الوثيقة مع فلاديمير بوتين، في إطار “أوبك +” وخارجها…وفي الوقت الذي تعد فيه واشنطن بكين، التهديد الأبعد والأخطر حتى من تهديد الاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، فإن ولي العهد لم يتردد في تطوير علاقات بلاده مع الصين، واستقبال رئيسها في الرياض، بحفاوة تفوق تلك التي حظي بها الرئيس الأميركي جو بايدن.
عربياً، من آيات هذا التغيّر، الانكفاء الملحوظ للدور السعودي في عديد أزمات المنطقة، باستثناء اليمن، خاصرتها الضعيفة ويدها المكلومة، المملكة غارقة في “ورشة عمل داخلية”، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهي تشهد جملة من التحولات العميقة والاستراتيجية، وكثير منها، غير قابل للارتداد، وحسابات الاقتصاد والمال والسياسة الداخلية، تكاد تستهلك جدول أعمال الساسة السعوديين…السعودية اليوم تعمل بشعار “السعودية أولاً” من دون أن تعلن ذلك أو تتحدث عنه.
في هذا السياق، لا تبدو عملية المراجعة لنظام “المساعدات” سوى “جزء من كل”، وهي ليست أمراً مقتصراً على مصر وحدها، فالأردن المجاور للمملكة وبحدود طويلة معها، لم يحظ بالمساعدات المعتادة لسنوات عدة خلت…” زمن المال السهل” ولّى، وحديث المملكة عن الاستثمار، لا تختص به الدول الشقيقة والحليفة، بل يخضع لقواعد السوق والربح والأمان والتسهيلات وغيرها من شروط جذب الاستثمار أو طرده.
المصدرعريب الرنتاوي : الحرة

