بقلم: إدريس زويني
لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي عالق في دهاليز الأمم المتحدة، بل تحولت اليوم إلى ملف يتقاطع مع تحولات أوسع في موازين القوى الدولية. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت طريقة تعامل المجتمع الدولي مع هذا النزاع المفتعل تتغير بثبات، مدفوعة بواقع جيوسياسي جديد يفرض منطق الواقعية السياسية بدل الحسابات الأيديولوجية القديمة التي طبعت مراحل سابقة من هذا الملف المفتعل.
في هذا السياق، جاء التطور اللافت في أديس أبابا، حيث تقرر خلال اجتماع طارئ لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي إزالة علم ما يسمى (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) من قاعة الاجتماعات الرئيسية. خطوة قد تبدو في ظاهرها تقنية أو بروتوكولية، لكنها في حقيقتها تعكس تحولا أعمق داخل المؤسسة الإفريقية، وتؤشر إلى بداية تصحيح اختلال سياسي استمر لسنوات داخل المنظمة القارية.
فالقرار، بحسب المعطيات المتداولة، يرتبط بتوصيات صادرة في سياق قرار لمجلس الأمن الدولي يدعو المنظمات الإقليمية إلى عدم التعامل مع كيانات لا تتمتع بسيادة فعلية أو اعتراف دولي واسع بوصفها دولا كاملة العضوية.
الرسالة السياسية واضحة: المجتمع الدولي يتجه أكثر فأكثر نحو التعامل مع هذا الملف وفق معايير الشرعية الدولية والواقعية السياسية.
هذا التطور يعكس أيضا نهاية مفارقة طويلة داخل الاتحاد الإفريقي. فبينما تقوم فلسفة المنظمة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ظلت تحتفظ لسنوات بكيان لا تعترف به الأمم المتحدة كدولة ذات سيادة. ومنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بدأت عدة دول إفريقية تعيد النظر في مقاربتها لهذا الملف، في اتجاه أكثر انسجاما مع الشرعية الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية الاستراتيجية التي أكد عليها جلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب، حين شدد على أن قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وأن الشراكات الدولية للمملكة تقوم على الوضوح والاحترام الكامل لوحدتها الترابية. هذه العقيدة الدبلوماسية شكلت أساس التحرك المغربي خلال السنوات الأخيرة، وسمحت بتحقيق مكاسب دبلوماسية متتالية على الساحة الدولية.
وفي السياق نفسه، يشهد الملف تطورا موازيا في واشنطن. فقد طرح في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون قد يفتح الباب أمام تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية في حال ثبوت ارتباطها بشبكات مرتبطة بإيران أو بنقل تكنولوجيا عسكرية متقدمة مثل الطائرات المسيرة.
هذا المشروع يعكس تحولا واضحا في طريقة قراءة النزاع المفتعل داخل المؤسسات الأمريكية، حيث لم يعد ينظر إليه فقط كقضية سياسية، بل أيضا كجزء من معادلة أمنية أوسع في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.
وفي هذا الإطار، أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة في أكثر من مناسبة أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تظل الحل الوحيد الجدي والواقعي والقابل للتطبيق لتسوية هذا النزاع المفتعل، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
في المقابل، استطاع المغرب خلال العقدين الأخيرين ترسيخ مقاربة تقوم على الواقعية والتنمية. فقد شهدت الأقاليم الجنوبية دينامية اقتصادية وبنيوية كبيرة، جعلت من مدن مثل العيون والداخلة مراكز استثمارية صاعدة تربط إفريقيا بأوروبا وتفتح آفاقا جديدة للتنمية الإقليمية.
