العالم24 –
جوابا عن سؤال لماذا لم تذهب مدونة الأسرة في إصلاحها إلى ما أبعد مما بلغته، تحدثت، السبت 5 فبراير الجاري، نزهة جسوس، كاتبة “امرأة في بلاد الفقهاء” (بالفرنسية)، التي كانت عضوا في اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة.
وفي محاضرة رقمية، بثتها “الجامعة المواطنة”، التي تعقد جلساتها مؤسسة “HEM”، تطرقت جسوس إلى المرجعيات المتعددة و”التركيبة المعقدة”، التي جمعتها اللجنة المكلفة ملكيا بصياغة مدونة الأسرة مطلع الألفية الثالثة، من مرجعية إسلامية مالكية، ومرجعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومطالب جمعيات حقوق الإنسان والمرأة.
وذكرت المتحدثة أن ثلاث نساء ضمتهن اللجنة، لكن أغلب أعضائها كانوا علماء وقانونيين ذوي مرجعية محافظة، مما لم يسهل النقاش. كما أضيفت سياقات، محلية وعالمية، أثرت على العمل، حيث كان المغرب في سياق مشحون، بعد خطة “إدماج المرأة في التنمية”، ومسيرتي الرباط والدار البيضاء، وهجومات 11 شتنبر 2001 بنيويورك الأمريكية، ثم 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، وتزايد تأثير “الإسلام السياسي”.
وفضلا عن “تناقضات المرجعيات”، عددت جسوس كوابح أخرى حالت دون أن يصل إصلاح “مدونة الأسرة” إلى ما هو أبعد، أولها “الفقه التقليدي”، الذي ميزته عن “الفقه المقاصدي” و”المفكرين الجدد في الإسلام”.
وأبرزت المتدخلة ما في “الفقه التقليدي من إنكار للواقع المجتمعي، وإنكار لما يقع من عنف ممارَس على المرأة داخل الأسرة، وأزمة القيم داخل الأسرة والمجتمع المغربيين”.
وزادت جسوس “بسرعة ظهر أن الفكر المهيمن، في كل مؤلفات الفقه، هو اعتبار أن التفكير ومناقشة واقتراح قوانين حول الأسرة مسألة مرتبطة بالدين، واعتبار أن مشاكل الأسرة مرتبطة بعدم احترام القواعد الدينية، وتكفي العودة إلى شرع الله لتختفي”.
وأضافت أن “الكابح -الآخر- هو تصور أن قواعد الفقه غير قابلة للمساءلة وصالحة لكل زمان ومكان، وعدم تصورها كقواعد طورت إنسانيا، وتعكس وضعيات السكان والأشخاص، مع اعتبار أن مساءلة الفقه بمثابة مساءلة للإسلام، وأنه بالتالي ليس في حاجة إلى اعتبار حقوق الإنسان بمفهومها الكوني”، وهو ما يحكمه “منطق الاكتفاء الذاتي”، الذي “طور عدم ثقة في الحقوق الكونية للإنسان والعلوم الحديثة”.
وتتبعت المتدخلة معالم هذا “الكابح” في “النقاش الحالي عن سن الزواج، ومدة الحمل، وإثبات الأبوة”، الذي “لا يمكن مناقشته دون اعتبار المعلومات العلمية”، كما لا يمكن مناقشة النفقة، وتمثيل الأطفال، دون العلوم الاجتماعية والإنسانية، واعتبار تطور المجتمع، والتعليم، وعمل المرأة…
وسجلت جسوس أن “الفقه هو الفهم” لغة، وهو “ليس إلا تأويلا إنسانيا محدودا زمانيا لقواعد الشريعة، وهو فهم الفقهاء لرسالة الإسلام على المستوى القانوني”، قبل تستدرك قائلة: “لكنه لم يعد يرى كمعالم تظهر الطريق، بل كقانون مكتمل، غير قابل للتعديل، وتحكيم العقل”.
وسلطت المتدخلة الضوء على عدم انصياع جميع القوانين في المغرب لنفس المنطق الذي يحكم قوانين الأسرة، حيث “نرى مثلا القانون التجاري مُعَلْمَنا في المرجعية، وحتى محاولات العودة إلى مرجعية إسلامية، مع الأبناك الإسلامية، لم يصل إلى ما كان منتظرا”.
ومع تقديمها ملامح من تاريخ العلاقة بالمرأة، وتطور الدفاع عن حقوقها، وتاريخ تطور الفقه الإسلامي، والاختلاف، تطرقت جسوس إلى وجوب الحديث عن العديد من الرؤى الفقهية، لا فقه واحد، ولو أن الفقه المالكي هو المهيمن في المغرب.
وأكبرت جسوس آراء نماذج مسلمة من المغرب مثل دعوة علال الفاسي في كتاب “النقد الذاتي” إلى منع تعدد الزوجات، وتوسيع نطاق الوصية الواجبة، وقول عبد الهادي بوطالب إن آية “للذكر مثل حظ الأنثيين” تتحدث عن الحد الأدنى الذي يمكن للمرأة أن ترثه.
وتطرقت المحاضِرة إلى الحاجة إلى “استبدال الفقه التقليدي”، في إطار السيرورة التاريخية للإنسانية، نظرا لكونه “الأكثر تسليحا للحفاظ على التراتبية بين الرجل والمرأة وشرعنتها”. وتابعت قائلة: “هذا الفقه قابل للنقاش، لكن بهدوء وتعدد واحترام”، وقدمت مثالا على ذلك بـ”التعصيب في الإرث”، قائلة: “لا قاعدة قرآنية له، بل هو اجتهاد للعلماء، لا يوجد عند الشيعة، وحذف في تونس، وحتى في العراق في وقت من الأوقات، وفي اليمن كذلك”.
وأكدت جسوس على “الحاجة إلى فقه المقاصد، واعتبار المقاصد بالوسائل التي عندنا، كما اعتُبِرَت من قبل”، لحماية المغاربة مصلحة الطفل عند ولادته بعد سنة من وفاة والده مثلا (ما يسمى بـ”الراكَد”)، أو الحديث الفقهي عن “الوطء بالخطأ”، الذي لا يترتب عنه حد، وينسب معه الطفل إلى أبيه.
