يرتقب أن يخصص المغرب غلافا استثماريا يناهز 9,21 مليار درهم لتمويل عمليات البحث والتنقيب عن النفط والغاز خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2031، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو توسيع نطاق الاستكشاف الطاقي والبحث عن احتياطيات جديدة من المحروقات، عبر تعزيز حضور الشركات المتخصصة وتكثيف الشراكات مع المستثمرين في هذا المجال.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن سيعتمد بشكل أساسي على التمويل الخارجي لتنفيذ هذا البرنامج، إذ ينتظر أن يتحمل الشركاء 91 في المائة من كلفته، بما يعادل 8,38 مليار درهم، بينما لن تتجاوز مساهمة المكتب من موارده الخاصة 829 مليون درهم.
ويأتي هذا الاختيار في ظل ارتفاع التكاليف المرتبطة بعمليات التنقيب والحفر، وما تنطوي عليه من مخاطر مالية، بالنظر إلى أن عمليات البحث لا تفضي بالضرورة إلى اكتشافات تتوفر على شروط الاستغلال التجاري. وهو ما يدفع المكتب إلى تقاسم أعباء الاستثمار مع الشركات المتخصصة، بدل تحمل التمويل الكامل للمشاريع بمفرده.
وعلى مستوى الحصيلة الميدانية، يواصل المكتب أنشطته في مجال استكشاف المحروقات بتعاون مع 11 شركة، ضمن نطاق جغرافي يمتد على 107 آلاف و870,91 كيلومترا مربعا. وتشمل التراخيص الممنوحة 10 رخص للتنقيب البري و30 رخصة بحرية، إلى جانب تصريحين للاستكشاف في البحر وثلاثة امتيازات للاستغلال.
وتعكس هذه المعطيات حجم المساحات التي تشملها عمليات البحث عن النفط والغاز، في وقت يسعى فيه المغرب إلى استقطاب مزيد من المستثمرين وتوسيع دائرة الشراكات، بما يسمح بتطوير أنشطة الاستكشاف ورفع احتمالات العثور على مكامن جديدة للموارد الطاقية.
وكانت الاستثمارات الموجهة إلى التنقيب عن الهيدروكاربورات قد بلغت 395 مليون درهم خلال السنة الماضية، استحوذ الشركاء على 370 مليون درهم منها، فيما ساهم المكتب بـ25 مليون درهم فقط. كما شهدت الفترة ذاتها إبرام 19 اتفاقية بهدف تشجيع الشراكات الجديدة، فضلا عن إنجاز عملية حفر بئر استكشافية برية.
وتؤكد هذه الحصيلة استمرار اعتماد المكتب على مساهمات المستثمرين في تمويل مشاريعه، بعدما شكلت هذه المساهمات 93,7 في المائة من مجموع الاستثمارات المنجزة في قطاع التنقيب النفطي خلال 2025، مقابل حصة ذاتية محدودة. ومن المنتظر أن يستمر هذا النموذج خلال السنوات المقبلة، في إطار البرنامج الجديد الممتد إلى غاية 2031.
وتأتي هذه الاستثمارات المرتقبة في وقت تواجه فيه بعض الحقول الوطنية تحديات مرتبطة بتراجع الإنتاج، إذ سجلت كميات الغاز الطبيعي المسلمة في إطار حصة المكتب انخفاضا بنسبة 21 في المائة خلال 2025، لتستقر عند 20,14 مليون متر مكعب نظامي، مقارنة بالسنة السابقة.
وأرجع التقرير هذا التراجع إلى تقلص الاحتياطيات المتاحة بحوض الغرب، إلى جانب عدم إنجاز عمليات حفر لآبار جديدة، فيما تراجعت كميات المكثفات المسلمة بدورها بنحو 10 في المائة، لتبلغ 1729,76 طنا.
وتبرز هذه الأرقام الحاجة إلى تكثيف عمليات الاستكشاف وتجديد المخزون الوطني من الغاز، من خلال البحث عن مكامن جديدة وتعزيز عمليات الحفر، خاصة في المناطق التي تشير الدراسات الجيولوجية إلى إمكانية احتضانها موارد إضافية قابلة للاستغلال.
وفي مقابل تراجع الإنتاج المحلي، ارتفعت كميات الغاز الطبيعي التي عبرت أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي بنسبة 7,9 في المائة، لتصل إلى 890,1 مليون متر مكعب نظامي، أي ما يعادل 10,37 مليار كيلوواط ساعة. ويتولى المكتب، عبر شركته التابعة “أومكو”، الإشراف على تشغيل هذه المنشأة وصيانتها.
ولم تقتصر أنشطة المؤسسة العمومية على المحروقات، بل امتدت إلى المجال المنجمي، حيث تجاوزت المساحات التي شملتها عمليات التنقيب عن المعادن 7 آلاف كيلومتر مربع خلال السنة الماضية، باستثمارات بلغت 724,5 مليون درهم، تحمل الشركاء 87,25 في المائة منها.
وفي هذا السياق، يعتزم المكتب تنفيذ برنامج منجمي يمتد على ثلاث سنوات، من 2026 إلى 2028، ويتضمن 50 مشروعا، من بينها 27 مشروعا يتولى تطويرها بإمكاناته الخاصة، مقابل 23 مشروعا تنجز في إطار شراكات مع مستثمرين.
ويركز هذا البرنامج على توسيع الأبحاث المتعلقة بالمعادن النفيسة والاستراتيجية، إلى جانب استكشاف إمكانات الهيدروجين الطبيعي ومصادر الطاقة الجديدة، فضلا عن دراسة فرص التخزين الجيولوجي للطاقة وثنائي أكسيد الكربون.
وعلى الصعيد المالي، سجل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن رقم معاملات بلغ 507,5 ملايين درهم خلال 2025، بزيادة قدرها 6 في المائة مقارنة بسنة 2024، غير أن هذا التحسن لم ينعكس على النتيجة الصافية التي تراجعت بشكل حاد، من 95,55 مليون درهم إلى 2,77 مليون درهم.
وبلغت مداخيل المؤسسة 215 مليون درهم مع نهاية يونيو الماضي، بينما تتوقع تقديراتها المالية أن يرتفع رقم المعاملات إلى 634 مليون درهم عند إغلاق السنة الجارية، مع تحقيق أرباح صافية في حدود 85 مليون درهم، وإنجاز استثمارات بقيمة 386 مليون درهم، مقابل 636 مليون درهم كانت مبرمجة في قانون مالية 2026.
أما بالنسبة إلى السنوات المقبلة، فتشير التوقعات إلى بلوغ رقم المعاملات 686 مليون درهم خلال 2027، قبل أن يتراجع إلى 655 مليون درهم في 2028، ثم 567 مليون درهم سنة 2029. وحدد مشروع قانون المالية لسنة 2027 حجم استثمارات المكتب في 409 ملايين درهم، مقارنة بـ348 مليون درهم من الاستثمارات المنجزة خلال 2025.
وتتجاوز الكلفة الإجمالية لبرنامج التنقيب النفطي المرتقب الاعتمادات الاستثمارية المباشرة للمكتب، بالنظر إلى أن الجزء الأكبر من التمويل سيأتي من الشركات الشريكة، التي ستتكفل بتغطية النسبة الأساسية من نفقات الاستكشاف والعمليات الميدانية.
وتزامنت هذه البرامج مع تحول مؤسساتي مهم، عقب صدور القانون رقم 56.24، المنشور بتاريخ 15 يونيو 2026، والذي ينص على تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة. ويهدف هذا الإصلاح إلى إحداث تغييرات في الإطار القانوني والتنظيمي للمؤسسة، بما يواكب التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة، ويفتح المجال أمام تطوير آليات تدبير الاستثمار والشراكات.
وبموازاة عمليات التنقيب المحلية، يواصل المكتب مواكبة مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يجري تطويره بشراكة مع مؤسسة البترول الوطنية النيجيرية، باعتباره أحد الأوراش الكبرى الرامية إلى تعزيز البنية التحتية لنقل الغاز بالقارة الإفريقية.
وفي هذا الإطار، وقعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيدياو” الاتفاق الحكومي الدولي الخاص بالمشروع، خلال اجتماع احتضنته العاصمة السيراليونية فريتاون يوم 19 يوليوز الماضي.
ويمتد المشروع على مسافة تقارب 6800 كيلومتر، بطاقة نقل سنوية مستهدفة تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز، مع برمجة تزويد 13 بلدا إفريقيا مطلا على المحيط الأطلسي بهذه المادة الطاقية، قبل ربط الأنبوب بشبكة الغاز المغاربية الأوروبية.
وتستهدف المخططات المرتبطة بالمشروع الشروع في عمليات التزويد بالغاز ابتداء من أفق سنة 2031، ما يضعه ضمن الأوراش التي يعول عليها المغرب لتعزيز موقعه في مجال نقل الطاقة وتطوير التعاون الطاقي بين بلدان القارة.
