قراءة في الخطاب الملكي السامي لافتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة.. من الاعتزاز بالهوية إلى هندسة الدولة الصاعدة
بقلم: ذ. الحسن لحويدك
لم يكن الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، خطابا بروتوكوليا عاديا، بل كان بمثابة خارطة طريق استراتيجية للولاية التشريعية والحكومية الجديدة، ووثيقة لتحديد موقع المغرب في خضم التحولات العالمية المتسارعة.
ويمكن تفكيك مضامين هذا الخطاب المرجعي إلى أربع رسائل كبرى:
أولا: الولاية الجديدة.. منعطف تاريخي وليست مجرد استمرارية .
وصف جلالة الملك الظرفية الحالية بـ”الاستثنائية، حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر”. وهو توصيف دقيق للسياق الدولي الذي يعرف إعادة رسم لسلاسل الإنتاج العالمية، وأزمة طاقة، وبحثا عن شركاء موثوقين. بهذا المعنى، يضع جلالته البرلمان والحكومة أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في تحويل هذه اللحظة الجيوسياسية إلى مكسب تنموي، عبر معادلة دقيقة تجمع بين “النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”، وهي رسالة مباشرة ضد كل نمو غير عادل وغير منصف.
كما أن استدعاء جلالته لمقولته الشهيرة سنة 2014 “أغلى إحساس عندي في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي” لم يكن استدعاء عاطفيا، بل هو تأطير سياسي عميق. فالاعتزاز بالهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة الغنية بتعدد مكوناتها، وبالمكاسب السياسية والدبلوماسية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، يجب أن يتحول من مجرد شعور إلى “مسؤولية وواجب وطني”.
ثانيا: من منطق البنيات التحتية إلى منطق السيادة الاستراتيجية .
إذا كانت العشرية الماضية هي عشرية الطرق السيارة والموانئ والقطار فائق السرعة، فإن العشرية القادمة التي رسمها الخطاب الملكي هي عشرية السيادة بامتياز.
فقد دعا جلالة الملك إلى إطلاق “جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى” وحدد مجالاتها بدقة:
– الأمن المائي والطاقي والغذائي
– الإقلاع الصناعي
– الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي
– تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية .
وهنا يبرز تحول عميق في العقيدة التنموية للدولة: من منطق الانفتاح الكامل إلى منطق الدولة التي تؤمن احتياجاتها الاستراتيجية في عالم مضطرب. كما أن دعوة القطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى “فاعل استراتيجي” في التحول التنموي، أكثر مبادرة وابتكارا وقدرة على خلق فرص الشغل، هي نقد صريح للنموذج الريعي السابق.
أما وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية وربطها بالثقة في المؤسسات والارتقاء الاجتماعي في ظل الحرية والكرامة والاستقرار، فهي إجابة ملكية مباشرة على سؤال التشغيل والاحتجاجات الاجتماعية.
ثالثا: الجهوية واللاتمركز.. نهاية زمن التردد.
تعتبر هذه الفقرة الأكثر حزما في الخطاب الملكي. فقد شخص جلالته الداء بوضوح: “التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري”.
واستعمل الخطاب عبارات قوية وحاسمة: “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز”. وحدد الحل في ثلاث آليات عملية:
1. نقل حقيقي للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم.
2. تحديد أكثر وضوحا لاختصاصات الجهات والرفع من مواردها.
3. تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات عبر آليات التعاقد
والتنسيق لتمكينها من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
إن الرهان الحقيقي للمرحلة حسب المنطوق الملكي هو “العمل الميداني على المستوى الترابي”. وهي رسالة واضحة لكل منتخب ومسؤول: التنمية الحقيقية لا تصنع في الرباط.
رابعا: رسالة السيادة في ملف الهجرة والشراكة .
في فقرة دبلوماسية حازمة، رسم جلالة الملك خطا أحمر في علاقات المغرب مع شركائه، وخاصة إسبانيا. فبينما أكد أن المملكة رسخت مكانتها كشريك مسؤول وموثوق، شدد على أن “النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا”.
وانتقد جلالته بصراحة “المقتضيات القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع التي تحول دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية”.
وتكمن الجملة المفتاحية في قوله: “الشراكة هي اختيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”. وهي عقيدة جديدة للسياسة الخارجية المغربية تقوم على الندية. أما الإعلان عن تقديم المغرب لشركائه وثيقة تتضمن “رؤية استراتيجية واضحة وعملية” فهو انتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادر الذي يفرض أجندته.
خاتمة:
إن الخطاب الملكي السامي هو خطاب دولة صاعدة واثقة من نفسها؛ دولة تعتز بهويتها، وتؤمن سيادتها المائية والطاقية والغذائية، وتنقل القرار إلى الجهات، وتتعامل مع شركائها بندية كاملة.
وقد ختم جلالته خطابه بقوله تعالى “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها”، تذكيرا للبرلمانيين بأن الانتداب البرلماني ليس امتيازا، بل هو “التزام سياسي وتعاقد أخلاقي” أمام الله والمواطنين والتاريخ.
وخلاصة القول، إن هذا الخطاب يشكل خارطة طريق للمرحلة الراهنة، والرهان الحقيقي يكمن في ترجمة توجيهاته إلى سياسات عمومية ملموسة. فتفعيل ميثاق اللاتمركز والجهوية المتقدمة هو المدخل الأساسي لتحقيق العدالة المجالية والقرب من المواطن، كما أن إنجاح ورش الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية لن يتأتى إلا في ظل جهوية حقيقية ومفعلة.
لذلك نثمن دعوة الخطاب إلى تعزيز السيادة الوطنية عبر المخزون الاستراتيجي وإعادة النظر في نموذج الشراكة مع الشركاء الأوروبيين على قاعدة الندية، مع التأكيد على أن الدور الدستوري للبرلمان، أغلبية ومعارضة، يتمثل في مراقبة مدى استيعاب البرنامج الحكومي لهذه التوجيهات وجعلها مرجعية لعمله التشريعي والرقابي.
