معايير الجمال في المغرب.. تحولات الصورة بين الماضي والحاضر

منذ فجر التاريخ، شكّلت معايير الجمال انعكاساً مباشراً للثقافة والذوق الجماعي داخل أي مجتمع، إذ ترتبط هذه المعايير بالهوية والقيم وأنماط العيش أكثر مما ترتبط بمجرّد الخصائص الجسدية. وفي المغرب، البلد الذي يُعد ملتقى حضارات متعددة ومجالاً خصباً للتلاقح الثقافي، شهدت صورة الجمال تحوّلات عميقة عبر العقود، تعكس بدورها تحوّل البنى الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.

في المجتمع التقليدي المغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، كان الجمال مرتبطاً بالرموز الدالة على الرفاه والخصوبة. فالمرأة الممتلئة الجسد كانت تُعتبر مثالية لأنها تجسّد الثراء والصحة والقدرة على الإنجاب.

وكانت البشرة البيضاء الناعمة، في بعض المناطق، رمزاً للرقي الاجتماعي لأنها ارتبطت بالعيش بعيداً عن الأعمال الشاقة تحت أشعة الشمس. كما أن الشعر الأسود الكثيف والملامح الواضحة كانا من بين السمات المفضلة.

ومع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب، بدأت مقاييس الجمال تنفتح على التأثيرات العالمية. فقد ساهمت السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات، على سبيل المثال، في ترويج صورة المرأة الرشيقة والأنيقة، بينما لعبت مجلات الموضة الفرنسية والإيطالية دوراً في إدخال معايير جديدة ترتبط باللباس، التسريحات، والمكياج. وبذلك أخذ الجمال بعداً هجينا يمزج بين التقاليد المحلية والنماذج المستوردة.

في الثمانينيات والتسعينيات، ومع اتساع دائرة الإعلام الوطني وظهور التلفزة كوسيلة جماهيرية، ترسّخت صورة المرأة ذات الملامح المتناسقة، المائلة إلى النحافة، كمعيار للجاذبية. كما برز الاهتمام بالعناية بالبشرة والوجه بشكل أوضح، مدفوعاً بانتشار منتجات التجميل المستوردة. وبالموازاة مع ذلك، ظلّت بعض الأوساط الشعبية محافظة على صورة المرأة الممتلئة كرمز للأنوثة الكاملة.

أما في العقدين الأخيرين، فقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي طفرة غير مسبوقة في صياغة معايير الجمال. فالتأثير القادم من المنصات العالمية مثل “إنستغرام” و”تيك توك” أسهم في توحيد صورة الجسد المثالي: قوام رشيق لكن منحوت، بشرة موحّدة اللون، وملامح وجه أقرب إلى النمط “العالمي” المتأثر بالثقافة الغربية والكورية على حد سواء. وبرزت في المغرب موجة جديدة من الاهتمام بالطب التجميلي والجراحات التجميلية، تعبيراً عن السعي لمطابقة هذه النماذج العصرية.

ومع ذلك، يظل الجمال في المغرب متعدداً ومتبايناً بحسب المناطق والثقافات الفرعية. ففي بعض المناطق الأمازيغية والريفية، لا تزال السمرة الطبيعية والملامح القوية محط تقدير، بينما في المدن الكبرى يزداد الميل نحو النمط العصري المتأثر بالإعلانات والعولمة. كما أن الرجال بدورهم أصبحوا معنيين بصورة الجمال، حيث ارتفع الاهتمام بالموضة، العناية بالبشرة، والرشاقة، وهو ما يشير إلى تحوّل في الأدوار داخل المجتمع.

إن اختلاف معايير الجمال عبر السنوات في المغرب يكشف عن حقيقة أساسية: الجمال ليس ثابتاً بل متحوّل، يخضع لرهانات الاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، والذوق الجمعي. وإذا كانت صورة الجمال التقليدية تعكس علاقة مباشرة بالطبيعة والوظائف الاجتماعية، فإن صورة الجمال المعاصر أصبحت تعكس علاقة معقدة بالعرض الإعلامي والاستهلاك والرموز الثقافية العابرة للحدود.

وبين الأمس واليوم، يبقى الجمال في المغرب أكثر من مجرد مظهر خارجي؛ إنه لغة ثقافية تحمل في طياتها ذاكرة جماعية وصراعات بين المحافظة والتجديد، وبين الانتماء إلى الذات والانفتاح على الآخر. وربما تكمن قوة هذه المعايير المتغيرة في كونها تتيح للمغاربة إعادة اكتشاف ذواتهم باستمرار، في مرآة المجتمع والعالم على حد سواء.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...