ما تزال العديد من العائلات بإقليم بنسليمان تحافظ على تقاليدها الخاصة بشهر رمضان الكريم، خصوصا القاطنة ببوادي الإقليم، حتى إنها تحرص على الاستعداد لاستقباله بأكثر من نصف شهر قبل حلوله، وفق عادات قارة لم تتغير مع مرور الوقت.
فمع اقتراب هذا الشهر الفضيل يستعد أهل بنسليمان، إسوة بغيرهم، لاستقباله بما يلق به من حفاوة، يصومون بعض الأيام خلال شهر شعبان، وتنشغل النساء باقتناء أو تحضير ما تحتاجه البيوت خلال هذا الشهر الكريم من تمور ومستلزمات تحضير الحساء (الحريرة، والحسوة)، ومتطلبات إعداد بعض الحلويات والوجبات التي تستهلك بكثرة في موائد الإفطار.
وعند الأسر القروية تزين مائدة الإفطار، خلال شهر الصيام، بأطباق تقليدية مختلفة تضرب في أعماق التاريخ، تلبي الكثير منها احتياجات الجسم الذي هو في حاجة إلى التزود بالطاقة طيلة اليوم، ومنها ما تم توارثه من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.
غير أن “حساء الشعير” أو الحسوة أو شوربة البلبولة و”الزميتة” والحريرة” تبقى من أهم الوجبات في مائدة الإفطار لدى السليمانيين، ويحتاج لطهو “البلبولة” (برغل الشعير) إلى 250 غرام من البلبولة ونصف ملعقة صغيرة من الزعتر، وربع لتر من الحليب وملعقتين كبيرتين من زيت الزيتون والملح و”الإبزار” و”الكمون”.
وتعتمد أغلب ربات البيوت بالبوادي على إعداد هذه الوجبة داخل طنجرة طينية تسمى (الحوار)، حيث يتم نقع البلبولة في الماء، ثم غسلها وتصفيتها جيدا، قبل أن توضع في الطنجرة مع لتر ونصف من الماء والتوابل وزيت الزيتون، ليتم طهيها لمدة ربع ساعة.
بعدها يتم إضافة الزعتر، وتركها تطهو لربع ساعة أخرى على نار هادئة مع تحريكها من حين لآخر، ليتم في الأخير إضافة الحليب وتركها تنضج فوق النار لمدة 10 دقائق.
ما يقال عن “الحسوة” يقال أيضا عن الزميتة، حيث يعد رمضان ثاني مناسبة يتم فيها تحضير هذه الوجبة، والتي تعد للنساء اللائي وضعن حملهن، ليسترجعن قواهن بسرعة.
ويتم إعداد الزميتة باستخدام الشعير بعد غسله جيدا بالماء، ثم يترك ليجف تحت أشعة الشمس لعدة أيام، قبل تنقيته من الشوائب والحصى، وتحميصه على النار، والمرور إلى عملية “التغييز” أي فصل القشرة عن اللب وبعض الشوائب.
وبعدها تضاف له بعض المكونات كـ “حبة حلاوة” و”النافع” و”أعواد القرفة” و”الزنجلان” والقمح والحمص و”الكاوكاو” و”زريعة الكتان” و”إيلان” و”الصوجا” و”الزعتر” و”فليو”، وغيرها من المواد التي تطحن في مطحنة تقليدية خاصة، فلا يطحن معها أي نوع من التوابل حتى لا يؤثر في الطعم. بعدها تتم غربلته، وخلطه بالزبدة والعسل أو الماء الساخن والسكر وزيت الزيتون.
ومن بين الطقوس في بادية بنسليمان، إعداد جميع الوجبات بأواني وأدوات طينية، فالمشروبات تطهى في طنجرة تسمى الحوار، والخبز يتم طهيه في فرن طيني على شكل نصف دائرة مقلوبة يسمى “فران بوجيهة”، في حين يتم طهي “البطبوط”، وهو نوع من أشهى الفطائر في آنية تسمى “الفراح”، ويتم تناول هاته الفطائر مع الزبدة والعسل الحر في الفطور، والأغلبية تستعملها مع الشاي الساخن في السحور مع الحليب المخثر طبيعيا “الريب”.
وعن هذه العادات الغذائية، تقول الدكتورة منى المجبر، الأخصائية في أمراض الكلي، إنه ثمة أشياء تبدو في أعيننا بسيطة متواضعة القيمة، لكن عند تأملها بعين الحكمة تكشف لنا عن كنوز صحية ندوس عليها، ونحن نمضي في طريقنا نحو المدنية المعاصرة مثقلين بالشحوم والسكريات، وملبكين معويا ومعنويا.
وتضيف “ومن تلك الكنوز التي لم يغفلها بصر نساء البادية، ولم تغفلها بصيرة النبوة (كنز حساء الشعير)، هذا الغذاء والعلاج النبوي الذي أشار الرسول صلى الله عليه وسلم لفضله وفؤائده، كما روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي االله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الت ل ب ين ة (حساء الشعير) م ج م ة لفؤاد ال مريض، تذهب ببعض الحزن”.
وأبرزت الدكتورة منى المجبر أن حساء الشعير يعد من أفضل الأغذية الطبيعية التي تعمل على إعادة عمل الجهاز الهضمي بصورة طبيعية، وتناولها يعطي الجسم طاقة عالية تستمر طوال اليوم، ولا تسبب هذه الطاقة بارتفاع نسبة السكر في الدم. كما أنها لا تتحول إلى دهون، وتقلل مستويات الكولسترول في الدم، وتساهم في الوقاية من أمراض القلب والدورة الدموية. وأشارت، في هذا الإطار، إلى أن الدراسات أثبتت أن حبة الشعير غنية بمضادات الأكسدة مثـل فيتـاميـن (E) وفيتـاميـن (A)، وأن الله حبا الشعير بوفرة الميلاتونين الطبيعي غير الضار، والميلاتونين هرمون يفرز من الغدة الصنوبرية الموجودة في المخ خلف العينين، ومع تقدم الإنسان في العمر يقل إفراز الميلاتونين، وترجع أهمية هرمون الميلاتونين إلى قدرته على الوقاية من الكثير من الأمراض والمشاكل الصحية، وأيضا يزيد الميلاتونين من مناعة الجسم، ويعمل على تأخير ظهور أعراض الشيخوخة، وله دور مهم في تنظيم النوم والاستيقاظ.
أما «الطاجين»، فهو طبق يتنوع على مائدة سكان البادية، فالأغلبية الساحقة من العائلات، تختار إما الدجاج البلدي أو لحم الماعز، قبل ان ينضاف إلى القائمة السمك الذي بدأ في الوصول الى البوادي، عبر تجار يتنقلون عبر الدواوير حتى أضحى مكونا رئيسيا، خصوصا السردين، الذي تبدع في تحضيره النساء.
كما تعرف المائدة حضور “السفوف” أو “سلو”، الذي تعمل الأسر على إعداده أياما قبل رمضان، هذه الأكلة التي تحضرها النساء من مكونات تعتمد على الطحين و”جنجلان” واللوز والسكر وغيرها، والتي يتم تحميصها وطحنها مع إضافة القرفة، قبل أن يتم خلط جل المكونات بواسطة زيت الزيتون أو الزبدة.
تعدد الأطباق على مائدة الافطار الرمضاني ببادية بنسليمان، وحرص الأهالي الكبير على ابراز مظاهر الفرحة والبهجة بقدوم الشهير الفضيل تعبدا وإكراما للضيف، وتحضيرا لوجبات تليق بعظمة رمضان، كلها صور تؤكد عمق ارتباط ساكنة البوادي بموروثهم الشعبي، وحرصهم على الحفاظ على استمرارية شعيرة الصيام بكل ابعادها الروحية والدينية.

