ليلة في سيدة لبنان

العالم24-هاني الترك – أستراليا-

جَبَلت شخصيتي أربع ثقافات.. أولها جذوري الفلسطينية.. وحياة الطفولة والفتوة في فلسطين المقدسة.
والثانية الثقافة المصرية العريقة.. درست في جامعاتها ونهلت من تراثها الأدبي والفكري والفني.. وأدين لها بتعليمي وتثقيفي.

والثقافة الثالثة هي اللبنانية.. مع إني لم أزر لبنان في حياتي.. وهي الثقافة التليدة.. وهي مهد الثقافة الحرة في العالم العربي.. إكتسبتها من خلال عملي في الاعلام العربي المحلي.. وصداقتي مع الإعلاميين اللبنانيين.

ومن الطبيعي ان تكون الثقافة الرابعة هي استراليا الديمقراطية مقر الحرية.. إحتضنتني.. وأمضيت فيها نصف عمري وإتخذتها موطناً لي.. درست في جامعاتها.. وعملت في أرفع محافلها القانونية وهو القضاء.

ليلة السبت الماضي دعتني إبنتي الروحية نورما ألعبو الى حضور إحتفال سنوي للجالية اللبنانية المارونية لسيدة لبنان.. بمناسبة إنتقال السيدة العذراء مريم الى الأمجاد السماوية بعد عشرة أيام من الصلوات والقداديس.

فقد تحولت ساحة سيدة لبنان الى مهرجان ثقافي ترفيهي يعج بالعدد الهائل من الحضور.. الصغار والكبار.. يمرح الأطفال في ملاهي متنوعة.. مثل السيارات الكهربائية الصغيرة والمراجيح.. وأبناء الجيل الصاعد يلتقون مع بعضهم في فرح ومرح.. والكبار يتسامرون.
تناول الجميع الطعام اللبناني الشهي.. الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الاسترالية.. وسط قرع الطبول.. وعزف الموسيقى والغناء والرقص.. وتبادل الحديث الودي والتهاني بالعيد السنوي.

كان النظام يهيمن على المهرجان العظيم.. في ليلة لا تُنسى من ذاكرتي.. فقد أثلج صدري تهاتف الاطفال والجيل الصاعد والكبار من اللبنانيين على المهرجان الكبير المميز.. في تكاتف ومحبة ومودة.

فإن جهود صرح الكنيسة المارونية في الحفاظ على الشخصية اللبنانية الساطعة.. وعدم ذوبانها في المجتمع.. كان واضحاً في تلك الليلة.. بل إن تأثيرها على المجتمع سوف يظهر في المستقبل.. لتصبح ثقافة الجيل اللبناني الصاعد جزءاً من ثقافة المجتمع الاسترالي المتعدد الحضارات.. الحق ان المؤسسات الدينية التربوية التعليمية.. سواء المسيحية أو الإسلام هي التي تجمع أبناء الجالية.. تبني جيلاً ينخرط في المجتمع الاسترالي.. ولكن لا يذوب ويحافظ على ثقافته الأم.
معروف تاريخياً ان المهاجر اللبناني أينما تحطه الرحال.. يحمل قلمه.. ويبني صرحه الديني.

بالفعل فإن مهرجان سيدة لبنان الذي حضرته كان ليلة من ليالي العمر.. إستمتعت فيه.. ورأيته قد يصبح مستقبلاً من معالم سيدني.

بهرني العدد الهائل من أبناء الجالية المارونية الذي حضر الاحتفال.. وهكذا تبني الأمم أمجادها في المهجر.
يسعدني ان أقول أنا الفلسطيني أفتخر أن أكون لبنانياً أيضاً في بلاد المهجر.

شاهد أيضا