ليز تراس في مواجهة عاصفة الأسواق المالية

في أول اختبار لها بمبنى داونينغ ستريت، كان على ليز تراس أن تواجه عاصفة مالية. فتحت هياج تصريحات الميزانية للجهاز التنفيذي عن تخفيضات مكثفة في الضرائب، انهارت الأسواق المالية مفجرة المخاوف حول الاستقرار المالي للمملكة المتحدة. حيث أقرت رئيسة الوزراء بارتكاب أخطاء لكنها تؤكد المضي في سياستها.

 

منذ حديثها الرئيسي خلال حملتها للوصول إلى رئاسة الوزراء، كشفت ليز تراس عن نوع من الرفض للعقيدة الاقتصادية السائدة، واعدة بإصلاح جذري في حال توليها المنصب خلفا لبوريس جونسون.

 

ولاحظت تراس، قبل بضعة أسابيع من تولي رئاسة حزب المحافظين والحكومة، أن هذه العقيدة حققت الإجماع لدى الخزينة والاقتصاديين ووسائل الإعلام الرئيسية منذ عشرين سنة، غير أنها لم تفرز النمو المنشود.

 

ومنذ أيامها الأولى على رأس الجهاز التنفيذي، سارعت إلى الإعلان عن سلة من التدابير الرامية إلى تسقيف الفواتير الطاقية على مدى سنتين، وتخفيضات جبائية هامة في غضون 50 سنة، قصد الحفاظ على تنافسية وجاذبية المملكة المتحدة في عالم يهدده الركود. والحال أن التقليص من العائدات الضريبية، منضافا إلى تزايد وتيرة الاقتراض، أثار القلق داخل الأسواق المالية التي لم تستوعب أية استراتيجية ستنهجها الإدارة لسداد الديون.

 

وبينما رأى الجميع في تقديم الميزانية المصغرة، مناسبة للرد على هذه الأسئلة، تفادى وزير المالية كواسي كوارتينغ تقديم المخططات بتفصيل، مشيرا إلى أنه وإن دخلت التدابير الجديدة حيز النفاذ في فاتح أكتوبر، فإن تفصيل استراتيجية الميزانية لن يظهر إلا يوم 23 نونبر المقبل.

 

وبينما بدا أن الوزير لا يملك معلومات ذات قيمة لتقاسمها مع الأسواق والخبراء، فإن هؤلاء آخذوا عليه قصور الرؤية، لتنهار الأسواق غداة إعلان كوارتينغ. فقد هوى الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له عبر التاريخ أمام الدولار الأمريكي، وقفز معدل الاقتراض بالنسبة للدولة.

 

من جهته، مضى صندوق النقد الدولي، الذي يتبنى لهجة تصالحية في العادة مع اقتصاديات مجموعة السبع، إلى مطالبة لندن بمراجعة مخططه واضطر بنك إنجلترا للتدخل، الأسبوع الماضي، قصد الوقاية من خطر جسيم بالنسبة للاستقرار المالي نتيجة اضطراب السوق.

 

ومنح التدخل الواسع للبنك في سوق عقود الدولة، باقتناء حصص غير محدودة من الدين طويل الأجل، عجلة إنقاذ للعملة البريطانية التي استعادت بعض ما خسرته نهاية الأسبوع في آسيا.

 

كما تسببت أزمة الدين العمومي البريطاني في موجة صدمة داخل الأسواق العالمية، مما أفضى إلى تقلبات قوية في العقود الأمريكية والأوروبية.

 

غير أن ضعف الجنيه الإسترليني لم ينجح في تحفيز صناديق المعاشات والمؤمنين على طرح سيولة في المقاولات المتمحورة حول المملكة المتحدة، مما يدل على أن المخطط الجبائي للوزير كوارتينغ قلص من جاذبية بريطانيا للمستثمرين الدوليين.

 

واعتبر حزب العمال أن الحكومة تخلت عن الشعب البريطاني بموقفها الاقتصادي المتشدد وجاء استطلاع للرأي ليعطي العماليين تقدما تاريخيا بـ 33 نقطة على المحافظين، وهو أكبر فارق منذ التسعينيات.

 

وتم نشر الاستطلاع الذي أجري لحساب “التايمز” بينما وعدت ليز تراس بالتمسك بميزانية مصغرة للحكومة تشمل 45 مليار جنيه إسترليني من تخفيضات الضرائب الممولة عن طريق الدين.

 

وحيث أنها لم تستسغ فقدان الأسواق والرأي العام معا، فقد حاولت تراس ووزيرها الاقتراب من مكتب مسؤولية الميزانية لطمأنة الأسواق بشأن الإرادة في التخفيف من الدين البريطاني.

 

واعتبر ميل ستريد، رئيس لجنة الخزينة بالبرلمان، أن الأمر يتعلق بـ “خطأ جسيم”، ويبدو أن وزير المالية فهم ذلك حيث أكد أنه سيعمل بتعاون وثيق مع هذه المؤسسة المستقلة طيلة مسلسل إعداد تصريح الميزانية ابتداء من 23 نونبر.

 

وكشف مكتب مسؤولية الميزانية أن نسخة أولى من توقعاته الموازناتية تأخذ بعين الاعتبار المخطط الاقتصادي للحكومة سيتم تقديمه الجمعة المقبل.

 

وبدا كوارتينغ مقتنعا بوجاهة مخططه حين كتب، السبت الماضي، على صفحات “تيلغراف”: “سنظهر للأسواق المالية وللمستثمرين أن مخططنا متين، ذو مصداقية ويتيح إنعاش النمو”.

وأضاف “بالجمع بين دعمنا الفوري للطاقة وتدابير شجاعة لإعادة تحديد دعائم الاقتصاد البريطاني، فإننا نساعد الأسر والمقاولات ونضع المملكة المتحدة على طريق تنافسية أكبر للسنوات القادمة”. لكنه انتهى إلى الانصياع للضغط المتنامي بإعلان التخلي عن مخطط تخفيض الضريبة على الدخل بالنسبة للأغنياء.

جريدة إلكترونية مغربية

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...