النقائص في السياسة الجنائية المغربية تسائل الالتزامات الدولية للمملكة

العالم24 – الرباط

سجل تقرير أعده مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، بشراكة مع مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، وبتعاون مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، تأخر المغرب في بلورة سياسة جنائية تساير تطور الوثيقة الدستورية والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان؛ وهو ما يطرح تحديا أمام الحكومة من أجل اعتماد مقاربة جديدة على مستوى السياسات العمومية المتعلقة بهذا المجال.

إدريس بلماحي، محام وعضو مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، قال في تصريح لمصادر مطلعة إن “تدبير فضاء الاعتقال ليس رهينا فقط بالإجراءات المادية والبشرية التي تشرف عليها المديرية العامة لإدارة السجون، وإنما بمتدخلين آخرين، أولهم التدخل المعياري القانوني؛ وذلك لارتباط الاعتقال بالسياسة الجنائية، سواء في شقها الموضوعي، أي القانون الجنائي، أو في شقها المسطري، المتعلق بقانون المسطرة الجنائية، وبتدبير فترة ما قبل الاعتقال، وما بعد الاعتقال والمحاكمة العادلة”، مؤكدا أن “المغرب يعاني من نقص في هذا الجانب، لأن السياسة الجنائية لم تواكب الفلسفة التي جاء بها الدستور”.

وشدد المتحدث ذاته، في تصريحه على هامش لقاء تواصلي من أجل تقديم خلاصات التقرير، على “فلسفة التأهيل وإعادة إدماج السجين”، موضحا أن “السجين إنسان محروم من الحرية بحكم القانون، لكن لا ينبغي تجريده من إنسانيته، وإنما الحرص على توفير ظروف إعادة تأهيله للاندماج في المجتمع عند انقضاء محكوميته، وإلا سيتم إنتاج سجين متعود ويكرر الجرائم”.

كما قال بلماحي إن الفصل 23 من دستور 2011، الذي لأول مرة يدمج الاهتمام بالاعتقال، أكد على تمتيع المعتقل بظروف أساسية، إنسانية، وتكوينه وإعادة إدماجه؛ “وهي فلسفة جديدة لم يواكبها القانون الجنائي”، مبرزا في الآن ذاته أنه “من المستحيل حل مشكل الاكتظاظ كمعضلة داخل المؤسسات السجنية إذا لم يتم التفكير في فلسفة جديدة للتجريم”.

وسجل محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، خلال كلمة له بمناسبة تقديم خلاصات التقرير، أن الأخير “لامس مختلف الإشكالات المرتبطة بظروف الاعتقال داخل المؤسسات السجنية، والمتعلقة أساسا بارتفاع نسبة الاكتظاظ وارتباطه بارتفاع نسبة الجريمة ونسبة الاعتقال الاحتياطي، وارتفاع عدد الإدانات ومددها؛ كما تم طرح مختلف المقترحات لتجاوز هذه الإكراهات”.

واستعرض التقرير، بحسب التامك، “مختلف المرتكزات الحقوقية لتدبير فضاءات الاعتقال بالسجون، من خلال جرد كل الاتفاقيات والبروتوكولات التي صادق عليها المغرب في هذا المجال، إضافة إلى ملاحظات لجان المعاهدات والآليات الخاصة التي أصدرتها في هذا الصدد منذ 2011”.

كما تقدم الوثيقة ذاتها “قراءة عامة لوضعية الصحة في الوسط السجني على المستوى الدولي، قبل التطرق للوضع الصحي في السجون المغربية، إذ تم التأكيد على أن العمل الصحي يندرج ضمن أولويات المندوبية العامة”، وفق المتحدث ذاته، موردا أن التقرير “يشكل فرصة لتقديم قراءة خاصة لنقط التقدم ومكامن العجز في هذا المجال”.

وأكدت المندوبية العامة عزمها دراسة الملاحظات المسجلة، وكذا بحث سبل تنزيل المقترحات التي تم تقديمها، مؤكدة انفتاحها على مختلف أشكال التعاون المتاحة، في إطار من الاحترام التام للمرجعيات الوطنية والدولية ذات الصلة بتدبير المؤسسات السجنية، وانفتاحها على فعاليات المجتمع المدني المهتمة بالشأن السجني.

وخلص التقرير إلى “ضرورة تحسين الأوضاع السجنية وأنسنتها من خلال فك الاكتظاظ بالسجون المغربية، عبر تحسين الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية، ووضع تدابير تشريعية إضافية تساعد على ذلك، والحد من اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، من خلال تفعيل دوريات رئاسة النيابة العامة ومخرجات الحلقات الدراسية ذات الصلة بالموضوع، التي تشرف عليها، والتطبيق الفعلي للإجراءات البديلة، مثل الإفراج بكفالة، أو الإفراج المشروط، أو الاعتقال الاحتياطي تحت المراقبة الإلكترونية”.

وشددت الوثيقة ذاتها على “ضرورة مراجعة المفهوم القانوني للاعتقال الاحتياطي، واعتماد مقتضيات قانونية تكرس وضع الاستثناء فيه؛ وتعزيز صلاحيات رئيس الغرفة الجنحية في ما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، وتمكينه من اتخاذ قرارات توازن بين ضمان قرينة البراءة وشروط المحاكمة العادلة؛ الأمر الذي يقتضي إعادة النظر في مقتضيات المسطرة الجنائية ذات الصلة بالاعتقال الاحتياطي، وإعادة النظر في العقوبات السجنية قصيرة المدة، في اتجاه تعزيز العقوبات البديلة، والتفكير الجماعي في آليات لتطوير فلسفة تدبير فترة العقوبة وجعلها فترة يكون فيها السجين منتجا، عوض أن يكون عبئا يتحمل المجتمع والدولة كلفة عقابه؛ بالإضافة إلى اعتماد مبدأ التوطين الجهوي للسجناء، مراعاة لأسرهم وذويهم، ومراجعة منظومة الاستشفاء الخاصة بالمؤسسات السجنية، من خلال تمكينها من الموارد البشرية الكافية للقيام بهذه المهمة، والرفع من أعداد المستفيدين من برامج إعادة التأهيل والتكوين أو متابعة الدراسة عبر مراجعة الأسباب التي تحد من هذه الاستفادة، واقتراح برامج للشراكة مع القطاعات والمؤسسات العمومية المختصة”.

جريدة إلكترونية مغربية

المصدر : هسبريس

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...