في خطوة وُصفت بأنها “إعادة هندسة” شاملة لمشهد التعليم العالي بالمغرب، أطلق وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، ورشا استراتيجيا لإعادة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية.
هذا المشروع يشكل تحولا هيكليا يسعى إلى الانتقال بالجامعة المغربية من نموذج “التمركز” إلى أفق “الجامعات الجهوية الذكية” التي تتنفس من رئة محيطها الاقتصادي والاجتماعي.
ولطالما عانت المنظومة الجامعية من “تضخم مؤسساتي” أثقل كاهل الإدارة وجودة التكوين معا؛ فجامعات كبرى -على غرار جامعة ابن زهر بأكادير- كانت تحمل أعباء جغرافية وديموغرافية استثنائية، إذ تغطي وحدها أكثر من نصف مساحة المملكة وتستوعب “جيشا” من الطلبة يتجاوز 170 ألفاً.
هذا الواقع دفع وزارة الميداوي لتبني رؤية الحوكمة عبر تقسيم الجامعات الضخمة، لتعويضها بـ 27 جامعة جهوية مستقلة، موزعة بشكل عادل، وذلك بهدف تحويل الجامعة من “مبنى تعليمي ضخم” إلى “قطب تنموي” قادر على الاستجابة لحاجيات سوق الشغل في جهته.
ورغم القفزات النوعية، يقر المتتبعون بأن المغرب ما يزال يعاني من فجوة واضحة في عدد مؤسساته الجامعية مقارنة بالنمو الديموغرافي المتسارع.
وفي هذا السياق، يأتي المخطط المديري متعدد السنوات، المستند إلى القانون الإطار 51.17، ليحول التوسع الجامعي من مجرد طموح سياسي إلى ضرورة وطنية.
وقد حظي هذا التوجه بإشادة لافتة من المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي اعتبره مدخلا حقيقيا لتحقيق عدالة مجالية، تضمن لأبناء المناطق النائية نفس الفرص المتاحة لنظرائهم في الحواضر الكبرى.
ولا يتوقف طموح الوزارة عند توزيع الجغرافيا، بل يمتد ليشمل تجويد التخصصات. إذ يراهن المخطط الجديد على خلق شبكة وطنية متكاملة، حيث تبني كل جامعة هويتها الأكاديمية بناء على ميزات منطقتها التنافسية؛ فمن جامعات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، إلى أخرى تهتم بالطاقات المتجددة واللوجستيك، يُراد للجامعة أن تكون محركا للجهوية المتقدمة.
ويدرك الوزير الميداوي أن جودة التعليم لا تنفصل عن الظروف الاجتماعية؛ لذا يرافق هذا التحول الهيكلي التزام بتحسين شروط التحصيل. ولم يعد الرهان مقتصرا على المدرجات، بل شمل تعزيز شبكة الخدمات الطلابية من سكن ونقل ودعم مالي، لضمان أن يكون “الاستقرار الاجتماعي” للطلبة حجر الزاوية في مسارهم الأكاديمي.
وتعد خريطة الطريق التي يرسمها الميداوي بمثابة اختبار فعلي لتنزيل الإنصاف الترابي على أرض الواقع. ومع الدعم التشريعي والمؤسساتي الذي يحظى به هذا المشروع، يجد المغرب نفسه أمام فرصة ذهبية لتحويل المعرفة إلى رافعة حقيقية للتنمية.
