احتضن البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أمس السبت 2 ماي 2026، ضمن فعاليات الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لقاء لتقديم كتاب “ضوء المغاربة.. قصائد تعبر القارات: أنطولوجيا الشعر المعاصر في الشتات”، بحضور مؤلفه الشاعر حسن نجمي، إلى جانب عدد من الشعراء والباحثين.
وأوضح حسن نجمي، خلال هذا اللقاء، أن هذا العمل الصادر عن منشورات مجلس الجالية المغربية بالخارج، يجمع بين البعدين الأنطولوجي والنقدي، ويهدف إلى رصد تحولات الكتابة الشعرية المغربية في سياقات العبور الجغرافي والثقافي واللغوي، من خلال اختيار 36 صوتا شعريا يقيمون أو أقاموا في بلدان متعددة، من بينها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار نجمي إلى أن هذا التنوع لا يقتصر على الجغرافيا فقط، بل يشمل اختلاف الأجيال والحساسيات والتجارب الثقافية، إضافة إلى التنوع اللغوي والجندري، معتبرا أن الكتاب يشكل “مختبرا” لفهم ديناميات الشعر المغربي في فضاءات الشتات.
ومن زاوية نقدية، اعتبر المتحدث أن هذه النصوص تندرج ضمن ما يعرف بـ”أدب العبور” أو “الكتابة العابرة للأوطان”، حيث تتجاوز القصائد الانتماء الأحادي لتتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه اللغات والهويات والتجارب الثقافية.
وأكد أن شعراء هذه المختارات، الذين يكتبون بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، يجعلون من اللغة نفسها موضوعا للكتابة والتفاوض وإعادة التشكيل، بما يخلق خطابا مزدوجا يستند إلى ذاكرة مغربية عميقة وينفتح في الآن ذاته على سياقات كونية.
كما أبرز نجمي أن هذه النصوص تكشف تحولات لافتة على مستوى الشكل والرؤية الشعرية، خاصة من خلال حضور قصيدة النثر التي تتجه نحو مزيد من التحرر والتأثر بالتجارب الشعرية العالمية، مع بقائها مرتبطة بأسئلة الهوية والمنفى والذاكرة واللغة.

وأضاف أن البعد السوسيولوجي حاضر بقوة في هذه التجارب، إذ تتحول القصيدة إلى فضاء لتفكيك تجربة الهجرة والعيش في الشتات، بعيدا عن ثنائية الانتماء والاقتلاع التقليدية، لتصبح الكتابة وسيلة لإعادة بناء السيرة الذاتية والجماعية.
وتوقف نجمي أيضا عند مسألة الترجمة، معتبرا أنها أصبحت شرطا وجوديا للكتابة الشعرية لدى عدد من شعراء الشتات، سواء من خلال الكتابة بلغات أخرى أو عبر ما سماه بـ”الترجمة الداخلية” التي تمزج طبقات لغوية وثقافية متعددة داخل النص الواحد.
وأكد أن “ضوء المغاربة” لا يقدم فقط مختارات شعرية، بل يقترح رؤية لقراءة تحولات الشعر المغربي في زمن العولمة والتنقلات، حيث لم يعد الشاعر مرتبطا بمكان أو لغة واحدة، بل صار “كائنا عابرا” يعيد تشكيل هويته باستمرار عبر تجربة الحدود والتخوم.
من جهته، اعتبر الشاعر والمترجم منير السرحاني، أستاذ الأدب الفرنسي بكلية الآداب بالمحمدية، والذي أدار هذا اللقاء بمشاركة الشعراء عبد الإله الصالحي ومحمد حمودان وخالد اليملاحي، أن أهمية هذه الأنطولوجيا تكمن في إبرازها لتعددية الأجيال والتجارب، وتجاوزها للأسماء المكرسة نحو تقديم مشهد شعري مغربي متنوع ومعقد.
وأشار السرحاني إلى أن المسألة اللغوية تحتل موقعا محوريا في شعر الشتات المغربي، من خلال التعايش بين العربية والفرنسية والأمازيغية، معتبرا أن هذه الكتابات تخلق “هوية لغوية مركبة” تتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذاكرة والمنفى وفضاءات الاستقبال.
وختم بالتأكيد على أن شعر الشتات لا يكتفي بالحفاظ على علاقة حنينية مع الوطن، بل يتحول إلى فضاء للوساطة الثقافية وإعادة تشكيل المخيال الجماعي، حيث يصبح المنفى قوة إبداعية، والتنقل مجالا للحوار والتجديد الثقافي.


