كبار الناشرين يكسرون جدار الصمت.. إصلاح الصحافة يبدأ من تطهير المهنة وبناء مجلس وطني قوي

في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المشهد الإعلامي الوطني، وفي لحظة تتسم بكثير من الحسم والوضوح، شهدت الساحة الإعلامية المغربية نقاشًا ساخنًا ومفتوحًا جمع كبار الناشرين والمسؤولين عن أبرز المجموعات الصحفية بالمغرب، ضمن بث مباشر أجرته قناة “شوف تيفي”، خصص بالكامل لموضوع مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، باعتباره ورشًا محوريًا لإعادة ترتيب البيت الإعلامي المغربي، ولبنة أساسية لإعادة الاعتبار لمهنة الصحافة، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية، سواء على مستوى التأطير المؤسساتي أو في ما يخص شروط الممارسة المهنية.

 

هذا النقاش لم يكن مجرد تبادل للآراء، بل شكّل محطة حقيقية لتشخيص الواقع، ووضع الأصبع على مكامن الخلل، بلغة الوضوح والجرأة والمسؤولية. ففي هذا السياق، أكد خالد الحريري، المدير العام لمجموعة “TelQuel”، أن الواقع الإعلامي المغربي يفرض ضرورة الفصل بين المقاولات الصحفية الجادة التي تناضل من أجل المهنة، وتلك التي تركب على صفة الصحافة دون مقومات حقيقية، كما شبّه المشهد الإعلامي ببطولات كرة القدم، حيث توجد مقاولات صحفية تنافس في دوري المحترفين، وأخرى بالكاد تضمن البقاء في بطولة الهواة، ما يفرض وجود قانون منظم يُعيد الاعتبار للمهني الحقيقي، ويضبط إيقاع المنافسة في الحقل الإعلامي وفق قواعد واضحة، عادلة، ومنصفة.

 

الحريري أشار كذلك إلى أن أي محاولة لإصلاح الصحافة الوطنية لن تكتمل دون انسجام فعلي بين مكونات المجلس الوطني المقبل، معتبرًا أن المشاكل التي تخبط فيها الجسم الصحفي لا يمكن حلها بقرارات جزئية أو بنوايا حسنة، بل بفعالية مؤسساتية مدروسة تنبني على أسس ديمقراطية وتمثيلية نزيهة، تراعي الكفاءة والمصلحة العامة.

 

من جهتها، شددت فاطمة الزهراء الورياغلي، مديرة نشر مجموعة “Finance news”، على أن الأزمة التي يعيشها الإعلام الوطني ليست فقط أزمة تنظيم، بل هي بالأساس أزمة موارد وإمكانات، مشيرة إلى أن الصحفي المغربي يملك من الكفاءة ما يجعله حاضرًا بقوة في المحافل الدولية والمنابر العالمية الكبرى، غير أن واقع الممارسة داخل المغرب يفتقد إلى التحفيز الحقيقي، والبيئة المادية والاعتبارية التي تضمن استمرار الأداء المهني الراقي، وأضافت أن القانون المنتظر يجب أن يشكل قطيعة مع الماضي، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الصحفي محميًا، مُمَكَّنًا، ومُنتجًا في ظروف تحفظ له كرامته وتُعزز دوره كفاعل أساسي في منظومة التنمية الديمقراطية.

 

أما محمد الهيثمي، المدير العام لمجموعة “Le Matin”، فقد اعتبر أن المغرب يعيش اليوم لحظة حقيقية من هيكلة القطاع، داعيًا إلى الانتهاء من مرحلة “التسول الإعلامي” التي مارستها بعض المقاولات في السابق باسم الصحافة، وأوضح أن القانون الجديد جاء ليضع حدًّا لهذا العبث، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الإعلام الحقيقية، التي تؤمن برسالة الصحافة وتدافع عن قضايا الوطن والمجتمع بجدية ومسؤولية. وأكد الهيثمي أن لا مجال بعد اليوم للتلاعب بصفة الصحفي أو الاتجار في المهنة، وأن الوقت قد حان لسيادة القانون داخل القطاع كما هو الحال في باقي المهن المنظمة.

 

الصحفي مختار لغزيوي، مدير نشر جريدة “الأحداث المغربية”، نوه بالدور الكبير الذي لعبته الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، منذ تأسيسها، في تأطير الجسم الصحفي والدفاع عن مصالح الناشرين المهنيين، مبرزًا أن ما تحقق من تقدم يُحسب لرجال آمنوا بإمكانية الإصلاح، وعملوا بصمت وتفانٍ بعيدًا عن الأضواء، وفي مقدمتهم الأستاذ إدريس شحتان والزميل خالد الحريري، اللذان كان لهما دور ريادي في بلورة توجه جديد يروم استعادة ثقة الدولة في الإعلام الوطني، وجعل المهنة شريكة في معركة البناء الديمقراطي والتنموي.

 

في المحصلة، ما جرى من نقاش خلال هذا اللقاء الإعلامي المهم يكشف عن وعي متقدم لدى فاعلين حقيقيين في الحقل الصحفي، ويدق ناقوس الإنذار بأن الصحافة الوطنية اليوم تقف على مفترق طرق حقيقي: إما أن نُقبل على إصلاح جذري يجعل من المجلس الوطني القادم لبنة انطلاقة جديدة، أو نُضيّع الفرصة مرة أخرى ونغرق في نفس الدوامة التي عطلت مهنة كان يُفترض أن تكون سلطة مضادة، وعينًا مفتوحة على قضايا الوطن وهموم المواطن.

 

إن الصحافة لا تموت، لكنها تمرض حين تُدار بالعشوائية وتُقيَّد بالمصالح الضيقة، وما شاهدناه في هذا النقاش، يؤكد أن الجسم الإعلامي لا يزال يحتفظ بكفاءاته ونبضه الحي، في انتظار أن تُمنح له الأدوات الحقيقية للقيام بدوره في إطار قانوني مؤطر، وبيئة مهنية سليمة، ومجلس وطني يمثل الجميع دون إقصاء ولا تحكم.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...