البرازيل .. الأزمة المؤسساتية تصل إلى ذروتها مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية

قبل نحو عام عن موعد الانتخابات الرئاسية بالبرازيل، تعيش السلط الثلاث حالة من الانقسام حول قضايا منها نمط الاقتراع، وتدبير جائحة كورونا، ودور الجيش، وكذا المشاكل مع القضاء. وهذه ليست سوى بعض من القضايا الخلافية التي تعمق الهوة بين الرئيس من جهة، والقضاء والبرلمان من جهة أخرى.

وآخر حلقة من هذا المسلسل السياسي المشحون، الذي يتواصل منذ تولي جايير بولسونارو الرئاسة في 2018، قرار مجلس النواب إقبار مقترح تقدمت به الحكومة لتعديل نمط الاقتراع الإلكتروني، الجاري به العمل منذ 1996، والذي يرى فيه رئيس الدولة نظاما يشجع على التزوير، داعيا بالمقابل إلى اعتماد التصويت الورقي كمكمل للنظام الحالي.

وبالنسبة لجايير بولسونارو، فإن بعض النواب “خضعوا لضغوط” أو ” تعرضوا للابتزاز”، معربا عن يقينه بأن الانتخابات الرئاسية في 2022 “لن تكون موثوقة”. وجدد التأكيد على أن المحكمة العليا للانتخابات تسعى للجوء إلى دعم “الغش” من أجل تمكين الرئيس اليساري السابق لولا دا سيلفا، منافسه الرئيسي، والأوفر حظا حسب نتائج استطلاعات الرأي، من العودة إلى السلطة.

وكان النائب العام في البرازيل، أوغوستو آراس، قد أكد، أمس الثلاثاء، أنه أمر بفتح تحقيق أولي ضد الرئيس من أجل تحديد ما إذا كانت هناك تجاوزات في بعض التصريحات التي أدلى بها بخصوص التصويت الإلكتروني.

وبالنسبة لحكام الولايات، وأغلب منتقدي زعيم اليمين البرازيلي، فإن الظرفية تقتضي التضامن مع القضاة. وقد عبر حكام الولايات الـ13 بالبرازيل، وكذا حاكم المقاطعة الفدرالية عن دعمهم للمحكمة العليا، مؤكدين عزمهم على “بذل أقصى الجهود للمساعدة على حفظ كرامة ونزاهة القضاء “.

كما أعربوا عن تضامنهم مع قضاة المحكمة العليا وعائلاتهم أمام التهديدات والاعتداءات المستمرة.

وتجدر الإشارة إلى أن علاقة الرئيس بحكام الولايات لم تكن دوما على ما يرام، حيث يتبادل الطرفان المسؤولية عن التدبير العشوائي لجائحة كورونا والذي جعل البرازيل ضمن البلدان الأكثر تضررا من الوباء.

واعتبر معارضو الحكومة، سواء من اليمن أو اليسار، أن قرار مجلس النواب قد وضع حدا للحرب التي يشنها بولسونارو من أجل التصويت الورقي، ومن شأنه التخفيف من الاحتقان المؤسساتي.

وبالمقابل، يعتقد الكثيرون أن هذا النزاع قد يطول إلى ما بعد انتخابات أكتوبر 2022، وهو ما توقعه على الأقل الجنرال أوتافيو ريغو باروس، الناطق الرسمي السابق باسم بولسونارو، والذي أصبح من أشد معارضيه.

هذه التوترات قادت محكمة الانتخابات إلى فتح مسطرة قضائية ضد الرئيس، الذي سيكون أيضا موضوع تحقيق أمام المحكمة العليا بتهمة “المس بالديمقراطية ” ونشر ” أخبار زائفة منافية للديمقراطية”.

وقال نائب الرئيس هاملتون موراو، الذي نأى بنفسه عن بولسونارو منذ عدة أشهر، في أعقاب ذلك، إن “الكونغرس قرر إغلاق ملف القضية”، على أمل أن يساعد ذلك في التغلب على الصراع المؤسساتي.

كما عل ق موراو على العرض العسكري “غير المسبوق” الذي قاده بولسونارو أمام الكونغرس قبيل التصويت، والذي رأت فيه المعارضة محاولة واضحة لـ”ترهيب” أعضاء البرلمان.

وفي خضم هذه المعركة المحتدمة، حاول الجيش، الذين ينتمي إليه بولسونارو، والذي يعتبر حتى الآن بمثابة قاعدة لدعم الرئيس، النأي بنفسه عن الصراع. وحذر الجيش في مقال نشر في صحيفة (أو غلوبو) من “اتساع الفجوة” مع “تراجع الرؤى العقلانية” و “التدهور الذي يغذيه الطموح المفرط لتولي السلطة”.

وقد قدم بولسونارو، يوم السبت الماضي، أدلة تؤكد أن العاصفة ماضية قدما، حيث أعلن عن نيته تقديم مطالب لعزل قاضيي المحكمة العليا، لويس روبرتو باروسو وألكسندر دي مورايس.

وكانت خطوة رئيس الدولة عبارة عن رد فعل على اعتقال حليفه السياسي الرئيسي، بأمر من المحكمة العليا.

وأشار الرئيس في رسالته، تحديدا، إلى كل من القاضي باروسو، عضو المحكمة العليا ورئيس المحكمة الانتخابية العليا، وألكسندر دي مورايس، قاضي التحقيق في عملية ضد حلفاء الرئيس البرازيلي المتهمين ببث “أخبار زائفة مناهضة للديمقراطية” على وسائل التواصل الاجتماعي.

وشكل بولسونارو هدفا لخمس إجراءات أمام المحكمة العليا وواحدة أمام المحكمة الانتخابية بتهمة تقويض النظام الانتخابي، ونشر وثائق سرية، والدفاع عن نشر رسائل معادية للديمقراطية، والتدخل المفترض في الشرطة الفيدرالية، والتستر على الفساد المرتبط بشراء اللقاحات المضادة لفيروس كورونا.

واعتبر الرئيس بأن اتخاذ باروسو لإجراءات قانونية ضد رئيس الدولة، بسبب انتقاده لنظام التصويت الإلكتروني “الاحتيالي”، ينتهك حقه في حرية التعبير.

ومع ذلك، بدا بولسونارو مدركا للفجوة الآخذة في الاتساع بين المؤسسات، إذ حذر من أن “الجميع يعرف عواقب القطيعة المؤسساتية على الصعيدين الداخلي والخارجي، والتي لا نقف وراءها ولا نرغب فيها”.

وفضلا عن ذلك، يتهم الرئيس باروسو بأنه “ناشط” يساري وأنه يريد، خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2022، تأييد الرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (اليساري).

ومن خلال ربط الأزمة المؤسساتية الحالية بمحاولات تفضيل لولا، يؤكد بولسونارو بالفعل التحدي الرئيسي لهذا الصراع اللامتناهي؛ الذي يتمثل في الانتخابات الرئاسية في نهاية 2022، والتي يعتزم خلالها رئيس الدولة الترشح لولاية ثانية.

ويقوم لولا، الذي أصبح يتمتع مجددا بحقوقه السياسية بقرار من المحكمة العليا، بجولة في المنطقة الشمالية الشرقية -معقله السياسي- حيث قال إنه يريد “أكثر من أي وقت مضى أن يصبح رئيسا”، وهو ما من شأنه أن يؤجج الصراع السياسي في البلاد.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...