تقنية الاختراق في السياسة الجنائية المغربية.. الباحثة رياض إكرام تناقش رهانات التشريع وتحديات التنزيل  

احتضنت كلية العلوم القانونية والسياسية بالقنيطرة مناقشة رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم الجنائية والتحولات الرقمية، تقدمت بها الباحثة رياض إكرام تحت عنوان: “تقنية الاختراق بين غايات التشريع وتحديات التنزيل”.

وشهدت المناقشة، على خلاف الصيغة المعتادة، اعتماد أسلوب طرح أسئلة مباشرة على الباحثة من طرف أعضاء اللجنة العلمية المعينة من قبل عميد الكلية، وذلك بهدف تقييم مدى تمكنها من موضوع البحث وقدرتها على معالجة الإشكالات المرتبطة به، خاصة في ظل التطور المتسارع لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وتنامي التحديات المرتبطة بالاستعمالات غير المشروعة للوسائل الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في تجربة اعتُبرت الأولى من نوعها على مستوى كليات الحقوق بالمغرب.

وتناولت الباحثة في دراستها الإطار القانوني لتقنية الاختراق باعتبارها إحدى الآليات الحديثة في مجال البحث الجنائي، ومدى قدرتها على تحقيق معادلة صعبة بين تعزيز فعالية مكافحة الجريمة المنظمة من جهة، وضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من جهة أخرى.

واستهلت رياض إكرام عرضها بتقديم عبارات الشكر لمنسق ماستر العلوم الجنائية والتحولات الرقمية الأستاذ بدر السريفي، وللأستاذين المشرفين الدكتور عبد الله الزيوكاي والأستاذ مصطفى، كما عبرت عن تقديرها لأعضاء لجنة المناقشة، وعلى رأسهم الدكتور عبد الحميد يعقوبي، إلى جانب أفراد أسرتها الذين رافقوها خلال مسارها الأكاديمي.

وأكدت الباحثة أن اختيار الموضوع يندرج ضمن التحولات التي عرفتها السياسة الجنائية الحديثة، والتي انتقلت من الاعتماد على وسائل البحث التقليدية إلى تبني آليات خاصة واستثنائية لمواجهة أشكال جديدة من الإجرام، خصوصاً الجرائم المنظمة التي أصبحت تتسم بالتعقيد والسرية والامتداد العابر للحدود.

وأوضحت أن تقنية الاختراق تعد من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية، مشيرة إلى أن الدراسة انطلقت من إشكالية أساسية تتمحور حول مدى نجاح المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة المنظمة وحماية الحقوق والحريات.

وقسمت الباحثة بحثها إلى محورين رئيسيين، تناول الأول الأحكام العامة المؤطرة لتقنية الاختراق، فيما خصص الثاني لدراسة ضوابط تنفيذها والمسؤولية القانونية الناتجة عنها.

وأبرزت رياض إكرام أن هذه التقنية تمثل استثناءً على القواعد العامة التي تلزم ضابط الشرطة القضائية بالكشف عن صفته الحقيقية، إذ تسمح له باستعمال هوية مستعارة والتغلغل داخل الأوساط الإجرامية بهدف جمع المعلومات والأدلة، معتبرة أن طبيعة الجرائم المنظمة فرضت اعتماد مثل هذه الآليات بالنظر إلى صعوبة مواجهتها بالوسائل التقليدية.

وشددت على أن المشرع المغربي لم يطلق حرية استخدام تقنية الاختراق في جميع القضايا، بل حصر اللجوء إليها في جرائم محددة قانوناً، وفق مبدأ التناسب بين خطورة الإجراء وخطورة الأفعال الإجرامية موضوع البحث.

وفي الجانب المتعلق بحماية الحقوق، ناقشت الباحثة الإشكالات المرتبطة بالحق في الحياة الخاصة وحماية المعطيات الشخصية وقرينة البراءة، مؤكدة أن هذه الحقوق، رغم مكانتها الدستورية، يمكن أن تخضع لقيود محددة متى كانت ضرورية ومتناسبة مع أهداف العدالة الجنائية، على غرار عدد من التجارب المقارنة.

كما تطرقت إلى إشكالية الاختراق المعاكس، محذرة من مخاطر تجاوز المخترق للحدود القانونية المرسومة له، بما قد يؤدي إلى التأثير على سلامة الإجراءات أو المساس بمشروعية الأدلة، وهو ما يستدعي، حسب الدراسة، إخضاع عمليات الاختراق لمراقبة دقيقة.

وأشارت إلى أن المشرع المغربي أقر آليات للرقابة على هذه التقنية، من خلال إشراف ضابط الشرطة القضائية ومراقبة النيابة العامة للعملية، سواء عند منح الإذن أو خلال مراحل التنفيذ، بما يضمن احترام الضوابط القانونية.

كما تناولت الدراسة مسألة المسؤولية القانونية للمخترق، موضحة أن الحماية الممنوحة له تظل مرتبطة بالأفعال المرخص بها قانوناً، وأن أي تجاوز أو تحريض على ارتكاب الجريمة يظل خارج نطاق المشروعية ويؤدي إلى استبعاد الإجراءات غير القانونية.

وفي ختام المناقشة، أكدت الباحثة رياض إكرام أن الإشكال الأساسي لا يرتبط فقط بالوصول إلى الحقيقة، وإنما بالوسائل القانونية المعتمدة لتحقيق ذلك، داعية إلى مواصلة تطوير الإطار التشريعي المنظم لتقنية الاختراق، وتعزيز الرقابة القضائية، وتوفير تكوين متخصص لفائدة المكلفين بتنفيذ هذه الآلية، بما يحقق التوازن بين نجاعة السياسة الجنائية وحماية الحقوق والحريات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...