مياه من رحم الضباب.. كيف حولت جبال سيدي إفني سحب الأطلس إلى شريان حياة يواجه تقلبات المناخ؟

رغم التساقطات المطرية القوية والاستثنائية التي عرفها المغرب خلال سنة 2026، والتي أعادت الحياة إلى عدد كبير من السدود والفرشات المائية وخففت نسبياً من حدة الإجهاد المائي بعد سنوات متتالية من الجفاف، فإن بعض المناطق الجبلية والقروية ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالتزود المنتظم بالماء الصالح للشرب، خاصة بالمناطق الوعرة والمعزولة.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة حصاد الضباب بإقليم سيدي إفني كواحدة من أكثر المبادرات البيئية المغربية تميزاً، ليس فقط كحل لمواجهة سنوات الجفاف، بل كنموذج استراتيجي مستدام لتأمين الموارد المائية مستقبلاً مهما تغيرت الظروف المناخية.

فعلى قمم الأطلس الصغير، وتحديداً بجبل “بوتمازكيدة” على ارتفاع يفوق 1200 متر عن سطح البحر، تواصل أكبر محطة عالمية لجمع مياه الضباب أداء دورها الحيوي في تزويد عدد من الدواوير الجبلية بالماء الصالح للشرب، عبر تقنية بيئية مبتكرة حولت الضباب الكثيف الذي يغطي المرتفعات إلى مصدر دائم للحياة.

ورغم أن سنة 2026 تميزت بأمطار غزيرة وثلوج مهمة بعدد من مناطق المملكة، فإن أهمية هذا المشروع لم تتراجع، بل ازدادت قيمته باعتباره جزءاً من رؤية استباقية بعيدة المدى تقوم على تنويع مصادر المياه وعدم الارتهان فقط للتساقطات المطرية الموسمية، خصوصاً في ظل التقلبات المناخية العالمية التي تجعل الاستقرار المائي تحدياً دائماً.

المشروع الذي تشرف عليه جمعية “دار سي حماد للحقوق والتعليم والثقافة”، يعتمد على موقع جغرافي فريد تلتقي فيه الرياح الأطلسية الباردة بالكتل الهوائية الساخنة القادمة من الداخل، ما يؤدي إلى تشكل ضباب كثيف بشكل شبه دائم فوق المرتفعات الجبلية. ولتحويل هذا الضباب إلى مياه قابلة للاستعمال، تم تثبيت أكثر من 124 شبكة عمودية متطورة من تكنولوجيا “CloudFisher”، تقوم بالتقاط جزيئات الماء الدقيقة العالقة في الهواء قبل توجيهها عبر قنوات خاصة نحو خزانات التصفية والمعالجة.

وفي فترات الضباب الكثيف، يستطيع المشروع إنتاج ما يصل إلى 100 ألف لتر من المياه يومياً، وهي كميات ساهمت بشكل مباشر في تحسين ظروف عيش السكان المحليين، وإنهاء معاناة طويلة مع التنقل اليومي بحثاً عن الماء، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال.

ولم تعد هذه التجربة مجرد مبادرة بيئية محلية، بل أصبحت نموذجاً عالمياً يحظى باهتمام دولي واسع، خصوصاً بعد تتويج المشروع بعدد من الجوائز البيئية الأممية، إضافة إلى دعمه من طرف مؤسسات وشركاء دوليين من ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

كما ساهم المشروع في تعزيز الاستقرار القروي والحد من الهجرة نحو المدن، عبر توفير مورد مائي مستدام أعاد الحياة للأنشطة الفلاحية الصغيرة وتربية الماشية، إلى جانب اعتماد نظام ذكي لتدبير المياه بواسطة عدادات مسبقة الدفع تضمن ترشيد الاستهلاك وتوزيع الموارد بشكل عادل بين الأسر المستفيدة.

وتؤكد تجربة سيدي إفني، في ظل التحولات المناخية التي يعيشها العالم، أن الحلول البيئية المبتكرة لم تعد مرتبطة فقط بمواجهة الأزمات، بل أصبحت جزءاً من السياسات الاستباقية لضمان الأمن المائي والغذائي للأجيال المقبلة، حتى في السنوات التي تعرف وفرة في التساقطات، لأن الرهان الحقيقي لم يعد فقط على كمية الأمطار، بل على حسن تدبير الموارد واستدامتها.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...