عز الدين الميداوي.. الوزير الهادئ الذي فكك ألغام الجامعة المغربية بحكمة وتبصّر. في الرواق المؤدي إلى قبة البرلمان، وبين ردهات وزارة التعليم العالي المثقلة بملفات عمرت طويلاً، يتحرك الميداوي بهدوء لا يعكس حجم العواصف التي يواجهها. لم يكن الرجل بحاجة إلى خطابات رنانة أو استعراضات إعلامية ليثبت كفاءته؛ بل اختار لغة النتائج لتكون المتحدث الرسمي باسمه، محققاً في شهور قليلة ما عجزت عنه ولايات حكومية بأكملها.
ينظر إليه كثيرون باعتباره “رجل دولة” بالمعنى العميق للكلمة، وليس مجرد مسؤول حكومي عابر، وهو وصف يستمد صدقيته من قدرته على تدبير ملفات وُصفت بالانتحارية، وعلى رأسها أزمة كليات الطب التي كانت تنذر بسنة بيضاء. واجه الميداوي ذلك الاحتقان بدم بارد، معتمداً استراتيجية الإنصات المنتج بدلاً من التصادم، ما مهد الطريق لانتزاع ثقة الفرقاء السياسيين والأكاديميين والطلبة على حد سواء.
وجاءت مصادقة البرلمان على قانون التعليم العالي الجديد لتشكل لحظة فارقة، ليس باعتبارها إجراءً تشريعياً عادياً، بل باعتبارها معركة وجودية حُسمت بحنكة. فقد استطاع الميداوي أن يقنع الجميع بأن جامعة المستقبل تُبنى بترسانة قانونية صلبة تعيد الاعتبار للجودة والحكامة، وأن زمن الارتجال والشعارات قد انتهى. وبذلك أثبت أنه يحمل رؤية تتجاوز حدود اللحظة، وأنه جاء لإعادة رسم الخارطة الجامعية على أسس علمية وواقعية تجعل من الجودة والابتكار ركيزتين أساسيتين في المسار التنموي للمغرب.
ولم يكن وصف فاطمة الزهراء المنصوري له بـ”رجل الدولة الهادئ” مجرد مجاملة سياسية، بل شهادة من أهل الدار بأن الرجل يجسد فعلاً نموذج حكومة الكفاءات. فنجاحه في تمرير قانون ظل معطلاً لسنوات طويلة يعكس تدبيراً عقلانياً نادراً، وقدرة استثنائية على تفكيك التعقيدات التشريعية وتطويعها لصالح المصلحة الوطنية العليا.
اليوم يبرز اسم عز الدين الميداوي كعنوان لمرحلة جديدة في تاريخ الجامعة المغربية؛ مرحلة اختار فيها الوزير الحكمة بدل الصدام، والإنجاز بدل الوعود. ومع المصادقة على القانون رقم 59.24 يكون قد وضع حجر الأساس لثورة هادئة أعادت لقطاع التعليم العالي بريقه، واضعة إياه على سكة العالمية بخطى واثقة ومدروسة.
