الزرادي والبراق… أسماء صغيرة تكشف أزمة كبيرة في كرتنا الوطنية

بقلم: إلياس اعراب

قبل بداية الموسم الرياضي الجديد، خرج لاعبان من أمل اتحاد طنجة، يوسف الزرادي وعمر البراق، ليكشفا للرأي العام معاناة متطابقة: وعود كاذبة، عقود لم تُفعّل، وتهميش ممنهج لمواهب شابة كان يمكن أن تكون ركيزة للفريق. التشابه الكبير بين ما رواه الزرادي على صفحته الرسمية وما صرّح به عمر البراق في خروج إعلامي مصوَّر، يوضح أن الأمر ليس استثناء، بل قاعدة في طريقة تعامل بعض الأندية مع لاعبيها. وقد يكون يوسف وعمر مجرد نموذجين تحلّيا بالشجاعة للخروج إلى العلن بعد انسداد الأبواب في وجهيهما، فيما آخرون ما زالوا يعانون في صمت سواء في فريق اتحاد طنجة او فرق اخرى.

يوسف الزرادي، ابن تاركيست، لا يمكن لأي متابع إنكار موهبته. شخصياً، تعرفت عليه قبل سنوات عندما قاد فريق ثانويته للفوز بالبطولة المدرسية الوطنية بمدينة القنيطرة، ورأيت لاعباً مثابراً في صفوف شباب تاركيست، ساهم في صعوده إلى القسم الممتاز. وما زلت أتذكر هجمته على طريقة داني ألفيش وتمريرته العرضية التي تحولت إلى هدف في مباراة السد بملعب القرية الرياضية بطنجة. ورغم تعرضه لكسر في رجله، عاد بقوة بفضل عزيمته واصراره ليبصم على موسم رائع أنهاه بالانتقال إلى اتحاد طنجة، في خطوة اعتبرها أبناء تاركيست جميعاً محطة مهمة لموهبة نادرة وحافزا لشباب صنهاجة أسراير المهمشين بجبال الريف.

لكن الحلم اصطدم بالواقع القاسي. فالعقد الذي وُقّع لخمس سنوات بحضور الرئيس والكاتب العام لم يُفعّل قط، لم يتوصل بنسخة منه ولا براتبه الهزيل (2500 درهم فقط)، بل حتى التربص الذي وُعد به في إسبانيا كان وهماً، فغاب عنه وحضره ابن الرئيس المحظوظ،. والأسوأ، أن الرئيس واجهه بعبارة صادمة: “يمكنك اللعب في فرق الأحياء، ما زلت صغيرا” حسب زعمه. وان صح الامر فانه لمن العار ان تصدر هذه الكلمات عن المسؤول الأول للفريق لأنها كلمات لا يمكن أن تصدر إلا عن مسؤول يفتقد إلى الحس الإنساني ولا يدرك وقعها على نفسية لاعب شاب. ولماذا يا ترى لم ينسى السيد الرئيس عقد ابنه، وهل وقع عقدا براتب شهري قيمته 2500 درهم ام براتب اخر ام ينطبق عليه المثل المغربي ” اللي خالتو فالعرس مايباتش بلا عشا”؟ أسئلة من حق الشارع الرياضي خاصة الطنجاوي الحصول على أجوبة لها.

ويبدو أن هذا النهج لم يكن استثناء في التعامل مع المواهب الشابة داخل الفريق الطنجي، فقد تابعنا جميعاً الأزمة التي كادت تُنهي مسيرة الحارس ريان أزواغ الدي انتقل مؤخرا الى نادي اشبيلية الاسباني، كما تابعنا الاستغراب الكبير حول طريقة انتقال اللاعب معالي إلى نادي الزمالك المصري وما رافقها من جدل في وسائل التواصل الاجتماعي. أما عمر البراق، زميل الزرادي، فقد عاش نسخة طبق الأصل من نفس المأساة: وعود بالاحتراف، ثم تهميش، ثم تجاهل. في موسم واحد فقط، قدّم اتحاد طنجة نموذجاً صارخاً عن كيف يمكن أن يتحول الفريق إلى مقبرة لمواهب شابة.

الوقائع تكشف أن المشكلة أعمق من مجرد أخطاء إدارية. نحن أمام عقلية مترسخة في بعض مكاتب الأندية، تعتبر اللاعب الشاب مجرد رقم هامشي قابل للإقصاء في أي وقت، ولا يتم تامين راتبه الشهري الزهيد ولا احترام العقد الموقَّع ، بينما تُصرف الملايين على صفقات فاشلة تنتهي في غرفة النزاعات. ويبقى السؤال الذي يحتاج إجابة سريعة من مكتب اتحاد طنجة، كيف يمكن لفريق أن ينسى عقد لاعب في مكتب الرئيس؟ هل نحن أمام نادٍ محترف أم ضيعة خاصة؟

للأسف، هذا هو حال كرتنا الوطنية التي ينطبق عليها المثل المغربي: “المزوقة من برا واش أخبارك من الداخل”. فهذه ليست المرة الأولى التي يعيش فيها لاعبون مغاربة مثل هذه المآسي، ولن تكون الأخيرة ما دامت نفس العقليات تدير أنديتنا. التاريخ مليء بأمثلة لشباب ضاعوا بين الأمل والفريق الأول، بعضهم انتهى في الهواة، وآخرون اعتزلوا مبكراً بسبب غياب التأطير والدعم. ما وقع في اتحاد طنجة اليوم يعيد للأذهان أسماء واعدة اختفت ليس لضعف موهبتها، بل لسوء تدبير مسيريها.

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ترفع شعار “الاحتراف”، لكن الاحتراف ليس مجرد بنيات تحتية، ولا يعني الفريق الأول فقط، بل يعني المنظومة بكاملها، من ألفها الي يائها. كيف نقتنع اننا في طريق الاحتراف إذا كان اللاعب ما زال يُستغل ويُترك لمصيره دون حماية؟ أين هي آليات المراقبة والتتبع؟ أين هو القانون الذي يفرض على كل نادٍ احترام التزاماته تجاه لاعبيه؟ ثم ألا يستوجب الأمر فرض تكوينات إلزامية في التدبير والتسيير الرياضي على مسؤولي الأندية؟ فزمن “مول الشكارة” ولى وأثبت فشله، ونموذج عزيز البدراوي في الرجاء أوضح مثال على ذلك.

إن قضية الزرادي والبراق ليست مجرد حكاية شخصية، بل جرس إنذار خطير. استمرار هذه الممارسات يعني أننا لا نضيّع لاعبين فقط، بل نضيّع مستقبل الكرة المغربية، ونحن مقبلون على استحقاقات كبرى أبرزها كأس إفريقيا وكأس العالم. الكرة المغربية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحرك الجامعة والوزارة الوصية بقرارات صارمة لحماية حقوق اللاعبين الشباب ومحاسبة المسيرين المتلاعبين، أو أن نستمر في دفن أحلام جيل كامل من المواهب. فمستقبل كرتنا لا يُبنى على صفقات عابرة أو ألقاب محلية غير معترف بها دولياً، بل على احترام الموهبة وتوفير بيئة احترافية حقيقية. وكل يوم يمر دون إصلاح هو جريمة في حق شباب يقتلون شغفهم في صمت.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...