يُعد التسول من أقدم الظواهر الاجتماعية التي عرفتها البشرية، حيث يلجأ الأفراد إلى طلب المساعدة المالية من الآخرين لأسباب متعددة، إلا أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة أسهمت في بروز نوع جديد من التسول يُعرف بـ”التسول المهني”، حيث يتخذ بعض الأفراد من التسول مهنة دائمة تدر عليهم دخلاً ثابتًا، دون وجود حاجة مادية حقيقية.
الانتشار العالمي للتسول المهني
لم تعد ظاهرة التسول المهني مقتصرة على دول بعينها، بل أصبحت منتشرة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يلاحظ انتشار المتسولين في شوارع المدن الكبرى، وكذلك الحال في لندن ومدن أوروبية أخرى. وفي الصين، تنتشر أشكال متنوعة من التسول في المدن الكبرى مثل شنغهاي. هذا الانتشار الواسع يشير إلى تعقيد الظاهرة وتعدد أسبابها، التي تتراوح بين الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
التسول المهني في المغرب: أرقام ودلالات
في المغرب، تحولت ظاهرة التسول إلى ممارسة معقدة تتجاوز الحاجة المادية لتصبح استغلالًا ومتاجرة. إحصائيات رسمية تشير إلى أن عدد المتسولين في المغرب يصل إلى حوالي 195 ألف متسول، مما يضعه في صدارة الدول العربية التي تعاني من هذه الظاهرة. هذا الرقم المقلق يعكس تحديات اجتماعية واقتصادية تتطلب حلولًا فعالة.
أساليب التسول المهني واستراتيجياته
يلجأ المتسولون المحترفون إلى استراتيجيات مدروسة لاستمالة عطف المارة وزيادة دخلهم اليومي. من بين هذه الأساليب، اختيار أماكن ذات كثافة سكانية عالية مثل الأسواق والمراكز التجارية، واصطحاب أطفال أو ذوي إعاقة لاستدرار التعاطف. بعضهم يرفض عروض العمل في مجالات أخرى، مفضلين التسول نظرًا للدخل المرتفع الذي يحققونه، والذي قد يتراوح بين 250 و300 درهم يوميًا.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتسول المهني
يؤدي التسول المهني إلى تحويل جزء من القوى العاملة إلى عناصر غير منتجة، مما يشكل عبئًا على الاقتصاد والمجتمع. كما يسهم في انتشار سلوكيات سلبية مثل استغلال الأطفال والنساء وكبار السن، ويؤثر سلبًا على صورة المجتمع والنظام العام.
جهود مكافحة الظاهرة
تبقى الحاجة ملحة إلى تعزيز هذه الجهود من خلال:
• توفير فرص عمل بديلة: خلق برامج تدريبية وتأهيلية تساعد المتسولين على الاندماج في سوق العمل.
• توعية المجتمع: تنظيم حملات توعوية تسلط الضوء على مخاطر التسول المهني وتحث المواطنين على تقديم المساعدة عبر القنوات الرسمية.
• تشديد الرقابة القانونية: ملاحقة الشبكات التي تستغل الأفراد في التسول وتطبيق العقوبات الرادعة بحقهم.
كما يتطلب التصدي لظاهرة التسول المهني تضافر الجهود بين الحكومات والمجتمعات المدنية والأفراد، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدالة وإنصافًا، حيث يتمكن الجميع من العيش بكرامة دون اللجوء إلى ممارسات تضر بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي.