لم يعد القطاع الثقافي في بلجيكا، الذي دخل مرحلة الاحتضار منذ عدة شهور، قادرا على انتظار ظهور الأفق وانتهاء المحنة التي يمر بها.
فقد وجهت جائحة “كوفيد-19″، بالفعل ضربة حقيقية لمهنيي الثقافة وقطاع الترفيه، الذين لم يعد بوسعهم سوى معاينة وقع الضرر الحاصل.
وحسب أرقام جمعية التدبير الجماعي البلجيكية لحقوق المؤلفين والملحنين والناشرين (سابام)، فإن الخسائر التي تكبدتها التظاهرات الثقافية البلجيكية منذ بداية الأزمة الصحية تقدر بأزيد من 360 مليون يورو.
وإلى جانب ذلك، انتقلت العائدات المتأتية من حجز تذاكر الفعاليات الثقافية من 70 مليون يورو في 2019 إلى 40,8 مليونا في 2020 ثم 7964 يورو في 2021. ففي غضون عامين، تم تقسيم الإيرادات بقرابة عشرة آلاف.
وحذرت كارين ليبرت رئيسة جمعية التدبير الجماعي البلجيكية لحقوق المؤلفين والملحنين والناشرين، من أن “القطاع بأكمله وصل إلى نقطة اللاعودة”، مؤكدة أن هذا الوضع “العاجل للغاية” يتطلب التحرك بأسرع ما يمكن.
وفي الوقت الذي علقت فيه العديد من الآمال على اللجنة الاستشارية (السلطات الفيدرالية والكيانات الفيدرالية)، التي التأمت مرة أخرى، يوم الجمعة الماضي، قصد رفع الحجر المفروض على القطاع أو على الأقل منح آفاق للفاعلين فيه، أعلن رئيس الوزراء ألكسندر دو كرو ببساطة عن تنظيم تظاهرات تجريبية في ماي ويونيو المقبلين بغية تقييم مخاطر انتشار فيروس “كورونا” في الوسط الثقافي.
كما قال إن الفعاليات الثقافية التي تقتصر على 50 شخصا يمكن أن تقام في الهواء الطلق اعتبارا من 8 ماي، بينما لن يكون استئناف التظاهرات الداخلية ممكنا حتى شهر يونيو، شريطة أن تضم وحدات العناية المركزة أقل من 500 مريض بفيروس “كوفيد-19”.
من جانبه، أعرب اتحاد مشغلي فنون الخشبة “فياس” عن أسفه لأن القطاع الثقافي، باستثناء المتاحف والمكتبات، غالبا ما يظل أكبر منسي من عمليات تخفيف القيود التي تقرها السلطات البلجيكية، متحدثا عن حالة من عدم اليقين والغموض الذي يحيط بالأحداث الثقافية في البلاد على المديين القصير والمتوسط.
وفي ظل ضبابية الرؤية التي تضر على نحو خطير بقدرتهم على الصمود، يعرب الفاعلون الثقافيون في بلجيكا منذ عدة أسابيع عن حنقهم وسئمهم، مؤكدين أن لديهم انطباعا بأنهم لم يتم أبدا أخذهم بعين الاعتبار.
وأثار هذا الشعور بالتخلي والنسيان الغضب بين مهنيي الثقافة والترفيه، ما أثار تمردا تتزايد حدته يوما بعد يوم. فمن دون انتظار الضوء الأخضر من السلطات، أعلنت 90 بنية ثقافية عن رفع ذاتي للحجر من 30 أبريل إلى 8 ماي، مع تنظيم حفلات موسيقية وعروض وعروض للأفلام…
ويندرج هذا التمرد في سياق حركة جماعية تحت اسم “ستيل ستاندينغ فور كالتر” (لا زلنا صامدين من أجل الثقافة)، والتي تجمع العاملين في مجال الثقافة من مختلف مناطق بلجيكا. ويعتزم هذا الائتلاف الذي تشكل منذ الحجر الصحي الأول في الربيع الماضي، تحدي الحظر الحكومي “للخروج من هذا المنطق المدمر الذي يضحى بالأنشطة ذات المعنى والمثيرة للنقاش والمدعمة للروابط الاجتماعية”.
وحسب هذا الائتلاف، سيتم تنظيم الأنشطة الثقافية البرمجة “وفقا للبروتوكولات الصحية التي تقررها السلطات العمومية”، مؤكدا “عدم التقليل من خطورة الفيروس”.
وذكر، في هذا السياق، أن “الدراسات تظهر أن فتح الأماكن الثقافية ليس له سوى تأثير ضئيل على منحنيات العدوى. مقابل الآثار المنسوبة لأنشطة الشركات، المتاجر والخدمات”.
وبفعل “الهشاشة واليأس”، يدين الفاعلون الثقافيون المنخرطون في الائتلاف “اللامبالاة” التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون “استجابة لتحديات عصرنا”.
ومن وجهة نظرهم، فإن ربط استئناف الثقافة بتدابير أو تجارب جديدة، أو معايير وبائية أو بالتقدم في التلقيح، “هو سعي لإدامة عدم مساواة غير مقبولة في معالجة الأمور”.
ويشير مهنيو القطاع الثقافي، أيضا، إلى التأثير السلبي لشلل القطاع على الساكنة، التي تأثرت صحتها النفسية بسبب هذا الوباء الذي ليست له نهاية.
ويذهب اتحاد محترفي الفنون والإبداع، الذي يدعو إلى استراتيجية لتدبير الأزمة واستشراف آفاق للقطاع، إلى حد النظر في رفع دعوى قضائية ضد الدولة البلجيكية بسبب “القيود غير المتناسبة مع قانون الشغل وحرية التعبير”.
وبعد أن عانى بشكل خاص جراء الأزمة الصحية والقيود المترتبة عنها، يتقدم القطاع الثقافي في بلجيكا إلى الواجهة ويمارس الضغط على السياسيين على أمل استعادة جمهوره بعد استراحة قسرية طويلة، ومن ثم الخروج أخيرا من النفق المظلم.

