الكاتب: رضوان الله العطلاتي
لم يعد قياس مسار الدول الحديثة يعتمد على عدد المشاريع التي تطلقها أو حجم الاستثمارات التي تستقطبها فحسب، بل أصبح يرتبط بقدرتها على تحويل تلك المشاريع إلى نتائج ملموسة تُحدث أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا. وفي هذا السياق، يبدو المغرب اليوم أمام مرحلة مفصلية تتقاطع فيها الأوراش الكبرى مع رهانات أكثر عمقًا، تتعلق بجودة الحكامة، ونجاعة المؤسسات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة المملكة كفاعل إقليمي ودولي يحظى بالثقة والمصداقية.
خلال السنوات الأخيرة، شهد المغرب إطلاق وإعادة هيكلة مجموعة من المشاريع والإصلاحات في مجالات متعددة، من تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتحديث التعليم، وتطوير البنيات التحتية، إلى تعزيز الاستثمار، وتدبير الموارد المائية، وتسريع الانتقال الرقمي. وهي أوراش لا يمكن النظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية شاملة تهدف إلى بناء نموذج تنموي أكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
وفي المقابل، تعرف البيئة الدولية تغيرات متسارعة، تتسم بإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج، واشتداد المنافسة الاقتصادية، وتسارع التحول الرقمي، وارتفاع التحديات المرتبطة بالطاقة والمناخ والأمن الغذائي. وفي مثل هذا السياق، لم يعد الاستقرار السياسي وحده كافيًا، بل أصبحت الدول مطالبة بإرساء مؤسسات أكثر مرونة، وإدارة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.
ويبرز المغرب ضمن هذا المشهد من خلال سياسة تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز حضوره في إفريقيا، وتطوير علاقاته مع مختلف شركائه الدوليين وفق منطق المصالح المتبادلة والتعاون المتوازن. كما أن الاستقرار المؤسساتي الذي تنعم به المملكة يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز جاذبيتها للاستثمار وترسيخ صورتها كشريك موثوق في محيطها الإقليمي والدولي.
غير أن نجاح هذه الرؤية يظل رهينًا بقدرة مختلف المتدخلين على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة تعظيم الأثر. فالمواطن يقيس نجاح السياسات العمومية بما ينعكس على جودة الخدمات، وفرص الشغل، وتحسين ظروف العيش، بينما يقيس المستثمر نجاحها بسرعة اتخاذ القرار، ووضوح القواعد، وفعالية الإدارة، واستقرار البيئة الاقتصادية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في إطلاق المشاريع بقدر ما يكمن في ضمان التقائية السياسات العمومية، ورفع مردودية الاستثمار، وتسريع وتيرة الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يرسخ الثقة في المؤسسات ويعزز فعالية الإصلاحات الجارية.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره أساس التنمية المستدامة. فالتنافس بين الدول لم يعد يقوم فقط على الإمكانات الطبيعية أو الموقع الجغرافي، وإنما على جودة التعليم، وكفاءة الموارد البشرية، وقدرة الاقتصاد على الابتكار والإنتاج وخلق القيمة المضافة.
ومع اقتراب الاستحقاقات الوطنية والدولية التي تنتظر المملكة خلال السنوات المقبلة، تبرز الحاجة إلى المحافظة على دينامية الإصلاح، وتعزيز الانسجام بين مختلف البرامج القطاعية، حتى تتحول الأوراش الكبرى إلى محركات حقيقية للنمو، وإلى أدوات لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، بما ينسجم مع أهداف التنمية الشاملة ويعزز صمود الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الدولية.
وبين ما تحقق من مكتسبات وما يزال مطروحًا من تحديات، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في مسار التحول الذي تشهده المملكة. فالمعيار الحقيقي لنجاح الأوراش الكبرى لن يكون عدد المشاريع التي تُطلق أو حجم الاستثمارات التي يُعلن عنها، بل قدرة هذه الأوراش على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي مستدام ينعكس على حياة المواطنين، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويقوي الثقة في المؤسسات. وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، يظل الرهان الأكبر هو تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس، تجعل من التنمية واقعًا يوميًا، وتكرس مكانة المغرب كدولة تبني مستقبلها بثبات، وتستثمر في الاستقرار، والإنسان، والمؤسسات باعتبارها ركائز القوة الحقيقية.
